هارون الرشيد الخليفة المفترى عليه
د. الشيخ الأمين محمد عوض الله_
اختلطت
حقائق التاريخ بالخيال في شخصية هارون الرشيد ، فقد مدحه المادحون حتى جعلوه أجل
ملوك الأرض ، وبالغ الشعراء والأدباء في وصفه حتى أصبحت حياته مثلاً لكل من يعيش
في نعيم العيش وأبهة الملوك ، ونحاول في هذه المقالة إنصاف هذا الرجل معتمدين على
المصادر التي ذكرت الروايات المتناقضة عن حياته محاولين الوصول إلى الحقيقة التي
غابت عن الكثيرين .
كان
هارون الرشيد في جهاد دائم ، وإن لم يكن في جهاد فهو في حج ، وكان يلبس قلنسوة
مكتوب عليها غاز حاج ، فقد غزا الصائفة في حياة أبيه مراراً ، وسجل انتصارات على
الروم فلقبه أبوه بالرشيد .
وأغزى
هارون الرشيد ابنه القاسم الروم فقتل منهم خمسين ألفاً ، وأخذ منهم خمسة آلاف دابة
بالسروج واللجم والفضة ، وأغزى على بن عيسى بن ماهان بلاد الترك فقتل منهم أربعين
ألفاً ، وغزا هو بنفسه بلاد الروم ففتح هرقلة وأخذ الجزية من ملك الروم(1) .
وفي
عام 187هـ نقض نقفور (2)
إمبراطور الروم الصلح الذي بين الروم والمسلمين والذي وقعه المسلمون مع إمبراطورة
الروم ريني وكتب نقفور إلى الرشيد :( من نقفور ملك الروم ، إلى هارون ملك العرب ،
أما بعد ، فإن الملكة التي كانت قبلي ، أقامتك مقام الرخ ، وأقامت نفسها مقام
البيدة ، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أمثاله إليها ، لكن ذلك ضعف
النساء وحمقهن ، فإذا قرأت كتابي فاردد ما حصل قبلك من أموالها ، وافتد نفسك بما
يقع به المصادرة لك ، وإلا فالسيف بيننا وبينك )(3)
فلما
قرأ هارون الرشيد الكتاب استبد به الغضب ، ودعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب :
(
بسم الله الرحمن الرحيم ، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم ، قد قرأت
كتابك يابن الكافرة ، والجواب ما تراه لا ما تسمعه ، والسلام . )
ثم
شخص من يومه ، وسار حتى أناخ بباب هرقله ، ففتح وغنم ، وخرب وحرق ، فطلب نقفور
الموادعة على خراج يؤديه في كل سنة ، فأجابه إلى ذلك (4).
وفي
عام 190هـ أعاد الرشيد فتح هرقله ، وبث الجيوش والسرايا بأرض الروم ، وكان دخلها
من قبل في مائة وخمسة وثلاثين ألف سوى الاتباع ، ووجه داود بن عيسى سائحاً في أرض
الروم في سبعين ألفاً ، وافتتح شراحبيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة ودبسه ،
وافتتح يزيد بن مخلد الصفصاف ومقلوبية ، وكان فتح الرشيد هرقله في شوال ، وقد
خربها وسبى من أهلها ستة عشر ألفاً ، فأقدمهم الرافقة ، فتولى بيعهم أبو البختري
القاضي ، فبلغ أسقف قبرص الفي دينار .
وكـــان
شخوص هارون إلى بلاد الروم في عشرين رجب 190هـ واتخذ قلنسوة مكتوباً عليها ( غاز
حاج ) فكان يلبسها(5)
.
هذه
هي سيرة هارون الرشيد ، وشغله بالغزو والحج ، أما الصورة الأخرى المذكورة في كتب
الأدب ، فليست مستقاة من المصادر التاريخية المعتمدة ، وسنتناول هذه الكتب
بالدراسة ونرد على الشبهات واحدة تلو الأخرى ، ليس دفاعاً عن هارون الرشيد ، ولكن
إحقاقاً للحق .
والدافع
لاختياري هذا الموضوع ، هو ما ورد عن هذه الشخصية الهامة من روايات متناقضة في كتب
التاريخ وكتب الأدب ، فاختلطت الروايات التاريخية بالروايات الشعبية وحبكت القصص
والأساطير ، وظُلم الرجل وشُوهت سيرته فأحببت أن أحقق في هذه الشخصية محاولاً
إحقاق الحق ، وقد سبقني في الكتابة في هذا الموضوع علماء أجلاء، أولهم ابن خلدون في
مقدمته والتي استند فيها على بعض المصادر الأخرى في علاج هذا الموضوع ، كما كتب في
هذا الموضوع عباس محمود العقاد في كتاب الهلال في العدد العاشر ( أكتوبر 1947م)
المجلد 55 ، كما كتب فيه شوقي أبو خليل في كتابه : هارون الرشيد ، الصادر عن دار
الفكر بدمشق عام 1988م ، والذي اعتبره أحد مراجعي الهامة في هذه المقالة .
لقد
بلغت الحضارة الإسلامية شأواً بعيداً في عصر الدولة العباسية ، وبلغت ذروتها في
عصر هارون الرشيد ، والذي يمثل واسطة العقد بالنسبة لخلفاء بني العباس العشر في
العصر العباسي الأول ، والذي يمثل العصر الذهبي لتلك الدولة .
والذين
يقومون بتصغير قدر هذا الرجل ، إنما يريدون أن يشوهوا الحضارة الإسلامية ،
ويصورونها بأنها اشتغلت بالترف والملذات ، وهي أشبه بقصص ألف ليلة وليلة ، ولم يكن
حكامها جادون في شئ .
أما
المنهج الذي اتبعته في هذه المقالة فهو تقسيم الموضوع إلى مقدمة وأربع عناصر
وخاتمة تناولت فيها الموضوعات التالية ، الرشيد والبرامكة ، اتهام الرشيد بشرب
الخمر ، الرشيد وأبي نواس ، ورع الرشيد ، واستندت في معالجتي لهذا الموضوع على
المصادر والمراجع الهامة ، والله من وراء القصد وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين .
لا بد من ذكر شئ عن تاريخ البرامكة ، فهم
أسرة إيرانية من بلخ ، وينسبون إلى برمك(6).
وهو لقب لرئيس سدنة معبد النوبهار في بلخ ، وهذا المعبد من المعابد البوذية التي
تعبد فيها آلهتهم .
أسلم
جدهم خالد البرمكي والتحق بالدعوة العباسية ، ثم خدم الدولة في عهدي أبي العباس
والمنصور ، ثم ازداد نفوذ يحيي بن خالد البرمكي في دولة المهدي واتصاله بالخيزران
زوجة المهدي وأم الرشيد(7) .
ويذكر
الطبري(8) أن الفضل بن يحيى
بن خالد البرمكي ولد قبل الرشيد بسبعة أيام فجعلت أم الفضل ظئراً للرشيد فأرضعت
الرشيد بلبان الفضل وأرضعت الخيزران الفضل بلبان الرشيد ، ونتيجة لهذه العلاقة فقد
أصبح يحيى بن خالد مربياً لهارون الرشيد على شئونه ومرافقاً له في حملاته وسفراته
.
كان
يحيى بن خالد البرمكي مثقفاً ذا مواهب كبيرة يزكيها طموح ليس له حدود ، وقد سخر كل
هذه المؤهلات في خدمة الخليفة هارون الرشيد ، والذي كان يجله ويقول له : يا أبت ،
كما ولاه وزارة التفويض .
وقال
هارون الرشيد ليحيى بن خالد عندما قلده الوزارة : قد قلدتك أمر الرعية ، وأخرجته
من عنقي إليك . فاحكم في ذلك بما ترى من الصواب . واستعمل من رأيت ، وأعزل من رأيت
، وأمض الأمور على ما ترى ، ودفع إليه خاتمه(9) .
على
أن يحيى كان من الذكاء بحيث أشرك الخيزران في الأمور فكان يستشيرها ويعرض عليها
الأمور قبل إصداره، لدرجة أن بعض الروايات تعتبرها ( الناظرة في الأمور ) ، أما
الفضل بن يحي البرمكي فكان الساعد الأيمن لأبيه في الأمور الإدارية ، وتولى إمارة
عدة أقاليم من أهمها خراسان وطبرستان وأرمينية ، ولم يكن جعفر بن يحيى البرمكي مثل
أخيه بل كان يحب الأنس والطرب ،ويتأنق في مسكنه وملبسه ، ولقد قربه الرشيد إلى
درجة كبيرة ، وعهد إليه بمهام سياسية وإدارية ، وقد أعطاه خاتم الوزارة مرة ، ثم
أشركه معه في النظر في المظالم ، وأمره بأن يراقب دور الضرب ، وكتب اسمه على
الدنانير بجانب الخليفة ، ويشير فاروق عمر إلى أن هذا كان من أخطاء الرشيد(10) .
إن
هذه الحظوة الكبيرة وهذا النفوذ السياسي والإداري ، إضافة لما اشتهروا به من كرم
جعلت من البرامكة أسرة تتمتع بصيت كبير ، بدت وكأنها تعنى في سمعة الخلافة وهيبتها
، وكثرت شيعتهم وصنائعهم ومواليهم لدرجة أن رواية تقول : ( أن في دولة الرشيد دولة
ملوكها البرامكة )(11) .
الرشيد
والبرامكة :
ومن
الافتراءات التي نسبت لهارون الرشيد وامتلأت بها كتب التاريخ : نكبة البرامكة ،
وقتل جعفر البرمكي ، وأسباب ذلك .
وملخص
القضية كما وردت في بعض كتب التاريخ أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة
، وكان يحضرهما إذا جلس للشرب ، وذلك بعد أن أعلم جعفراً قلة صبره عنه وعنها، وقال
لجعفر : أزوجها لك ليحل لك النظر إليهـــا إذا أحضــرتها مجلســي ، واشترط عليه إلا
يمسها ، ولا يكون منه شئ مما يكون للرجل إلى زوجته ، وتقول الرواية أن جعفراً لم
يلتزم بشرط عدم الدخول بها وأنها حملت منه وولدت غلاماً ، فعلم هارون الرشيد
بالقصة فقام بقتل جعفر ونكب البرامكة .
يقول
الطبري في مقدمة تاريخه الآتي :
(
فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستكره قارئه أو يشتشنعه
سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهاً من الصحة ولا معنى في الحقيقة ، فليعلم أنه لم
يؤت في ذلك من قبلنا ، وإنما أتى من بعض ناقليه إلينا وإنا إنما أدينا ذلك على نحو
ما أدى إلينا )(12) .
وفي
هذا النص الصريح يشير الطبري إلى مذهبه وطريقته في نقل الأخبار ، فهو ينقل كل ما
وقع عليه حتى لا يفوته خبر ، وقد يكون رواته من العدول وقد يكونون من الضعفاء
والمتروكين من أمثال أبي مخنف لوط بن يحيى .
والخبر
الذي أورده الطبري عن هارون الرشيد من الأخبار التي نستنكرها ونستشنعها ولذلك يجب
ألا نلقي اللوم على الطبري في ذلك ، أما ابن الأثير ، فقد أثبت لنا أنه ينقل من
الطبري، فلذلك ما ذكره ابن الأثير عن هذه الحادثة منقولة من الطبري .
اما
المسعودي فهو شيعي ويعتبره الشيعة من أشياخهم ، وكان هناك عداء بين الشيعة
والعباسيين ، فقد كانوا يرون أن العباسيين قد أخذوا حقهم في الحكم ، فليس بمستغرب
أن يشوهوا سيرة هارون الرشيد .
وجاء
جرجي زيدان وكتب روايته " العباسة أخت الرشيد " باسلوب أدبي مشوق ، وقد
قصدفي هذه الرواية كما في غيرها من روايات تاريخ الإسلام خدمة الأدب غير مبال
بالحقائق التاريخية ، وقد قصد بذلك تشويه التاريخ الإسلامي ، ونحن نعلم أنه رجل
مسيحي ، وأراد المؤلف بهذه الرواية أن يطعن في شرف الرشيد .
ومما
يؤكد أن القصة موضوعة ما ذكره الجهشياري من أن عبيد الله بن يحيى بن خاقان سأل
سروراً الكبيرفي أيام المتوكل ، وكان قد عمّر إليها عن سبب قتل الرشيد لجعفر ،
وإيقاعه بالبرامكة، فقال : كأنك تريد ما تقوله العامة فيما ادعوه من أمر المرأة ،
وأمر المجامر التي اتخذها للبخور في الكعبة ؟ فقلت له : ما أردت غيره ، فقال : لا
والله ما لشيء من هذا أصل ، ولكنه من ملل موالينا وحسدهم .
كما
أن هذه القصة لا يشير إليها عدد من المؤرخين المعاصرين لعهد هارون الرشيد
كالدينوري واليعقوبي وقد أنكرها ابن كثير.
وقد
رد ابن خلدون على هذه الفرية رداً مفحماً فمما قاله في المقدمة عن هذا الموضوع:
ومن الحكايات المدخولة للمؤرخين ما ينقلونه كافة في سبب نكبة الرشيد للبرامكة من
قصة العباسة أخته مع جعفر بن يحيى بن خالد مولاه …
وهيهات ذلك من منصب العباسة في دينها وأبويها وجلالها ، وأنها بنت عبد الله بن
عباس ليس بينها وبينه إلا أربعة رجال هم أشراف الدين وعظماء الملة من بعده ،
والعباسة بنت محمد المهدي بن محمد عبد الله أبي جعفر المنصور ابن محمد السجاد ابن
على بن الخلفاء وابن عبد الله ترجمان القرآن ابن العباس عم النبي (r)
، ابنه خليفة أخت خليفة ، محفوفة بالملك العزيز والخلافة النبوية وصحبة الرسول (r)
، وعمومته ، قريبة عهد ببداوة العروبة وسذاجةالدين البعيدة عن عوائد الترف ومراتع
الفواحش، فأين يطلب الصون والعفاف إذ أذهب عنها ، أو أين توجد الطهارة والذكاءإذا
فقد من بيتها ، أو كيف تلحم نسبها بجعفر بن يحيى وتنسى شرفها العربي بمولى من
موالي العجم .. وكيف يسوغ من الرشيد أن يصهر إلى موالي الأعاجم على بعد همته وعظم
آبائه ؟ .
ومن
أسباب نكبة البرامكة أن الرشيد دفع ألف ألف درهم لاعتقال يحيى بن عبد الله بن
الحسن وسلمه لجعفر بن يحيي البرمكي وزيره ليحبسه ، فدعا جعفر يحيى وسأله عن بعض
أمره ، فقال يحيى لجعفر : اتق الله في أمري ولا تتعرض أن يكون غداً خصمك محمد (r)
فو الله ما أحدثت حدثاً ولا أويت محدثاً .
فرق
له ، وقال : اذهب حيث شئت من بلاد الله ، قال :فكيف أذهب ولا آمن أن أؤخذ؟ فوجه
معه من أدَّاه إلى مأمنه.
وبلغ
الخبر الفضل بن الربيع من عين كانت له من خواص جعفر ، فرفعه إلى الرشيد ، فقال :
ما أنت وهذا ؟ فعله عن أمري ، ثم أحضــــر جعفراً للطعام فجعل يلقمه ويحـــادثه ، ثم
ســـأله عن يحيى ، فقال هو بحاله في الحبس ، فقـال : بحياتي؟ ففطن جعفر فقال : لا
وحياتك وقص عليه أمره، فقال : علمت أنه لا مكروه عنده ، فقال : نعم ما فعلت ما
عدوت ما قر في نفسي ،فلما قام عنه قال : قتلني الله إن لم أقتلك فكان من أمره ما
كان.
وهنا
يتبين من واقع المصادر أن هارون الرشيد إنما قتل جعفراً لممالأته الشيعة ، وإطلاقه
أحد زعمائهم ، فهو متهم بالخيانة والعمل على تقويض نفوذ العباسيين ، وهذا دليل
واضح أن قتل جعفر لا علاقة له بقصة العباسة المختلقة .
ومن
جملة ما نقمه الرشيد على البرامكة إسرافهم في المال العام واساءة التصرف فيه ، فقد
بنى جعفر بن يحيى داراً أنفق فيها عشرين ألف ألف درهم وأن الرشيد كان لا يمر ببلد
ولا إقليم ولا قرية ولا مزرعة ولا بستان إلا قيل له هذا لجعفر ، ويقال إن البرامكة
كانوا يريدون إبطال خلافة الرشيد وإظهار الزندقة.
وقد
بلغ بالبرامكة حداً أنهم كانوا يتشاغلون بالملذات عن أداء واجب الرعية ، فيحكي أنه
ورد للرشيد يوماً كتاب صاحب البريد بخراسان ، ويحيى ابن خالد بين يديه ، يذكر فيه
أن الفضل بن يحيى تشاغل بالصيد وإدمان الملذات عن النظر في أمور الرعية ، فلما
قرأه الرشيد رمى به ليحيي ، وقال له ، يا أبت اقرأ هذا الكتاب ، واكتب إليه كتاباً
يردعه عن مثل هذا ، فمد يده إلى دواة الرشيد وكتب إلى الفضل على ظهر كتاب صاحب
البريد ، حفظك الله يا بني وامتع بك ، قد انتهي إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه من
التشاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في امور الرعية ما أنكره ، فعاود ما هو
أزين لك فإنه من عـــاد إلى مــــا يزينـه أو يشـــــينه لم يعـــــــرفه أهـــــل
دهــره إلا بــــه ، والسلام.
ومن
أسباب نكبة البرامكة كما يصورها لنا ابن خلدون في المقدمة.وإنما نكب البرامكة ما
كان من استبدادهم على الدولة واحتجانهم. أموال الجباية ، حتى كان الرشيد يطلب
اليسير من المال فلا يصل إليه ، فغلبوه على أمره وشاركوه في سلطاته ، ولم يكن له
معهم تصرف في أمور ملكه فعظمت آثارهم ، وبعد صيتهم وعمروا مراتب الدولة وخططها
بالرؤساء من ولدهم وصنائعهم واحتازوها عن سواهم من وزارة وكتابة وقيادة وحجابة
وسيف وقلم ، ويقال أنه كان بدار الرشيد من ولد يحيى بن خالد خمسة وعشرون رئيساً من
بين صاحب سيف وصاحب قلم ، زاحموا فيها أهل الدولة بالمناكب ودفعوهم عنها بالراح ،
لمكان أبيهم يحيى من كفالة هارون ولي عهد وخليفة ، حتى شب في حجره ، وكان يدعوه يا
أبت ، فتوجه الإيثار من السلطان إليهم وانبسط الجاه عندهم وانصرفت نحوهم الوجوه
وخضعت لهم الرقاب وتخطت إليهم من أقصى
التخوم هدايا الملوك وتحف الأمراء ، وسيرت إلى خزائنهم في سبيل التزلف والاستمالة
أموال الجباية وأفاضوا في رجال الشيعة وعظماء القرابة العطاء ، وطوقوهم المنن
وفكوا العاني.ومدحوا بما لم يمدح به خليفتهم
واستولوا على القرى والضياع من الضواحي والأمصار في سائر الممالك .
وكان
من الأسباب أيضاً ما لا تعده العامة سبباً وهو أقوى الأسباب ما سمع من يحيى بن
خالد وهو يقول ، وقد تعلق بأستار الكعبة في حجته :
اللهم
إن كان رضاك أن تسلبني نعمك عندي فاسلبني ، اللهم إن كان رضاك أن تسلبني مالي
وأهلي وولدي فاسلبني ، إلا الفضل ثم ولى ، فلما كان عند باب المسجد رجع ، فقال مثل
ذلك وجعل يقول : اللهم أنه سجح بمثلي أن يستثني عليك اللهم والفضل.
وقد
تسبب استغلال البرامكة لسلطانهم في نكبتهم على يد الرشيد نتيجة للسعاية التي كانت
تصله من منافسيهم ، وعندما تأكد له خبرهم نكبهم ،وهذا يؤكد تمام التأكد أن الأمر
لا يتعلق بالعباسة أخت الرشيد من قريب أو بعيد ، حاشاها لله مما يرمونها به ، وقد
رموا السيدة عائشة ، زوج رسول الله (r)بحادثة
الإفك من قبل وما على المغرضين والحاسدين ببعيد .
ومن
أسباب نكبة البرامكة إظهارهم الزندقة وإفسادهم الملك وقد أورد ابن كثير: أن خالد
بن برمك يتهم بالمجوسية ويقال أن البرامكة كانوا يريدون إبطال خلافة الرشيد وإظهار
الزندقة، وروى ابن قتيبية أن البرامكة اتهموا بالزندقة والأصمعي يقول : ( إذا ذكر
الإلحاد أضاءت وجه البرامكة وإذا ذكرت آية من القرآن استهزأوا وأعرضوا عنها).
والقول
بأن الرشيد إنما نكب البرامكة لسبب عرضي ونتيجة تهوره في ساعة غضب مرفوض ، ويورد
ابن كثير أن الرشيد قد دبر التخلص منهم قبـل ثلاثة أعوام من تنفيذه للأمر فيقول : ( إن الرشيد قد أمر إلى أحد خواصه قبل ثلاثة
أعوام بأنه سينكبهم ويجعلهم أحدوثة للعالمين، وهذا الدليل على أن الرشيد كان قد
فكر كثيراً وكثيراً في نكبتهم بأعوام ودرس الأسباب وعلم النتائج ورتب الخطة
الحكيمة ووجد أن الدولة سائرة إلى الفساد والتدهور إذا لم يتخلص منهم بما أظهروه
من الزندقة وإفساد الحكم والملك.
وقيل
أن سبب نكبة البرامكة ، أنه رفعت إليه رقعة لم يعلم رافعها وفيها هذه الأبيات :
قل
لامــــــــــــين الله في أرضـه ومن
إليه الحل والعقد
هذا ابن يحيى
قـــد غدا ملكا مثلك ما بينكما
حد
أمـــرك مـــردود
إلى أمـــــــــــــره وأمـــــــره ليـــــس له
رد
وقــــــــد بنى
الدار التي ما بنى الفرس
لها مثلاً ولا الهند
الدر
والياقـــــــــــوت حصباؤها وتربها
العــــــــــــنبر والند
ونحـــــــــــــن
نخشى أنـــــــــــــــــه يملك إن غيــــــــــبك
اللحد
وما يباهي العبد
أربابه إلا إذا ما بطر
العبد
ونستشف
من هذه الأبيات استبداد البرامكة بالسلطة ، وإساءتهم التصرف في أموال الدولة، وقد
كان ذلك سبباً كافياً لنكبتهم ، وليس ذلك بمستبعد عليهم ، فقد أوعزوا للرشيد بأخذ
البيعة للمأمون وأمه فارسية ، وأن يتخذ الفضل بن سهل الفارسي وزيراً له ، وقد
استبد الفضل بن سهل بالمأمون فقام بنكبته كذلك .
ويقول
ابن كثير : لا أمان للبرامكة لمن آواهم إلا محمد بن يحي بن خالد فإنه مستثنى لنصحه
للخليفة.
ويورد
عبد الرحمن الأربلي : " أنّ علية بنت المهدي قالت للرشيد ما رأيت لك سروراً
منذ قتلت جعفراً فلأي شئ قتلته ؟
فقال
: لو علمت أن قميصي يعلم السبب الذي قتلت جعفراً به لأحرقته ، وقيل أرادت البرامكة
إظهار الزندقة وإفساد الملك فقتلهم لذلك.
اتّهام
الرشيد بشرب الخمر :
ومن
الافتراءات التي قيلت في حق هارون الرشيد اتهامه بشرب الخمر وقد ذكر هذه الفرية
العديد من المؤرخين وعلى رأسهم أحمد أمين في كتابه ( هارون الرشيد ) فمما قاله عنه
: ( ..رجل عاطفي ذواق ،
يخضع للمؤثرات الوقتية، فيصلي مائة ركعة كل يوم ، ويحج ماشياً ، ويهيم من ناحية أخرى
بالجمال والغناء ومجالس الشراب ، ويحدثه أبو العتاهية حديث الزهد فيبكي حتى تخضل
لحيته ، ويقول له ابن مريم نكتة فيضحك حتى يستلقى على قفاه).
ويستقي
أحمد أمين معلوماته عن هارون الرشيد ، وللأسف الشديد ، من كتاب ألف ليلة وليلة وقد
ذكر مصدره صراحة في كتابه حين يقول ( كتب الأدب والشعر التي روت عن مجالس الرشيد ،
والقصص والحكايات التي روتها عنه ألف ليلة وليلة ، وعلى الجملة فقد صوّر ألف ليلة
وليلة الرشيد تصويراً بديعاً لطيفاً).
وسيرد
نقدنا لقصص ألف ليلة وليلة في الصفحات القادمة إن شاء الله .
ووصف
أحمد أمين هارون الرشيد بأنه كان حاكماً مستبداً عندما نكب بالبرامكة وذلك في قوله
: (والحق أن هذا عيب الحاكم المستبد دائماً فهو عرضة لأن يفعل أقصى الخير وأقصى
الشر.
ولم
يكتف أحمد أمين بكل هذه الاتهامات التي كالها للرشيد ، بل حط من قدره أكثر عندما
اعتبر أن الذي خلد هارون الرشيد وطير شهرته إلى الآفاق لم يكن إلا مجالس الأدب
والعلم والغناء.
وللرد
على أحمد أمين نكتفي بما أورد ابن خلدون عن فرية شربه الخمر أما موضوع البرامكة،
فنرى أننا قد أوفيناه حقه .
يقول
ابن خلدون: وأما ما ترويه الحكاية من معاقرة الرشيد ، واقتران سكره بسكر الندمان،
فحاشى لله ما علمنا عليه من سوء وأين هذا من حال الرشيد وقيامه بما يجب لمنصب
الخلافة من الدين والعدالة وما كان عليه من صحابة العلماء والأولياء ، ومحاوراته
للفضل بن عياض وابن السماك والعمري ، ومكاتبته سفيان الثوري ، وبكائه من مواعظهم
ودعائه بمكة في طوافه ، وما كان عليه من
العبادة ، والمحافظة على أوقات الصلوات ،
وشهود الصبح لأول وقتها ) .
لم
يكن الرشيد يشرب الخمر ، إنما كان يشرب نبيذ التمر على مذهب أهل العراق ، وقد جاء
في كتاب ( بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ) للإمام علاء الدين الكاساني ، الملقب
بملك العلماء ، وما يتخذ من الزبيب شيئان : نقيع ونبيذ، فالنقيع أن ينقع الزبيب في
الماء أياماً حتى تخرج حلاوته إلى الماء ، ثم يطبخ أدنى طبخ ، فما دام حلواً يحل
شرابه ، وإذا غلا واشتد وقذف بالزبد يحرم -أي تخمر ، وأما النبيذ فهو الذي من ماء
الزبيب إذا طبخ أوفى طبخ ، يحل شرابه ما دام حلواً ، فإذا غلى واشتد وقذف بالزبد
يحل شربه ما دون السكر عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمد والشافعي لا يحل شربه
، كما يحل عند أبي حنيفة وصاحبه ابي يوسف شرب نبيذ التمر ما دام حلواً ويحرم إذا أسكر وكذلك الشراب المتخذ من حل العسل بالماء دون
تخمر ، وكذلك الأشربة المتخذة من الشعير والدخن والذرة والتين والسكر ، وأبو حنيفة
يجيز الوضوء بالنبيذ عند انعدام الماء ، عن على عن النبي (r)
: ( نبيذ التمر وضوء من لم يجد الماء) .
ولم
يكن الرشيد بحيث يواقع محرماً من أكبر الكبائر ، وقد صاحب العلماء والزهاد ، ولم
يحدث أن سمعنا بأن أحدهم نهاه عن هذا الصنيع ، وإنما هو افتراءات أرادوا بها النيل
من هارون الرشيد وتاريخه الناصع .
ومن
الكتب التي شوهت سيرة الرشيد كتاب ( ألف ليلة وليلة ) وهي مجموعة قصص ترجمت من
الفارسية إلى العربية ، واسمها الفارسي ، الهزار أفسان ، أي ألف خرافة ، وأسمها
نفسه يؤكد أنها قصص خرافية وليست واقعية ، وقد أضيف أسم الرشيد لبعض هذه القصص
بقصد تشويه سمعته وغالباً ما يكون ذلك من فعل البرامكة الذين نكبهم الرشيد ، وقد
ترجمت هذه القصص من أصلها الفارسي إلى اللغة العربية في القرن الثالث الهجري ،
وأضيفت إلى هذه القصص قصص أخرى في العصر المملوكي ، وهي قصص مليئة بالعجائب
والغرائب ، وأسلوبها رخيص مبتذل ، وقد ترجمت للغات الأوربية باسم ( الليالي العربية
) نكاية في العرب وتشويها لسمعتهم ولسمعة تاريخهم الزاهر في عصر هارون الرشيد .
ظن
قارئوا ألف ليلة وليلة أن هذه القصص الفت في عصر هارون الرشيد وأن هارون الرشيد
بطل هذه القصص ، بينما هارون الرشيد عاش في القرن الثاني الهجري، وقد تمت ترجمة
هذه القصص في القرن الثالث الهجري ، ومؤلفها مجهول فلا يعتمد بما ورد فيها كمصدر
من مصادر التاريخ .
الرشيد
وأبي نواس :
ومن
الافتراءات التي قيلت في حق هارون الرشيد ما ورد في كتاب الأغاني لأبي الفرح
الأصفهاني ، فقد وردت فيه قصص عن هارون الرشيد مع أبي نواس ، وقد ذكر ابن منظورأن
أخبار الرشيد مع ابي نواس موضوعات لا تصح ، وأن أبا نواس ما دخل على الرشيد قط .
وجاء
في مقدمة ( مختار الأغاني )الجزء الرابع ما يلي : ( قسم من تاريخنا مصدره قليلو
العلم ورقيقوا الدين ، الذين يطلقون فيضاً من الأكاذيب ، ويختلقون ركاماً من
الافتراءات ، ويمر الزمن فيختفي القائل ، وتنطمس المعالم ـ، وتغيب القيم ، فتختلط
الأكاذيب والحقائق ، وتتشابك حتى ليعسر على أكثر الناس أن يميز الرغوة من الصريح )
ويكفي هذا للرد على الأصفهاني .
وأخبار
الرشيد مع أبي نواس في الأغاني ألصقت زوراً وبهتاناً وافتراء على هارون الرشيد،
ومؤلف الأغاني مشكوك في أمانته .
وقد
اشتهر أبو نواس بالمجون حتى صار المجون علماً عليه ، وكأنما اختص به وحده بين
أترابه، فإذا عثر على خبر في المجون ألصق به ، وإذا اخترع أحد الماجنين حادثة ،
عزاها إليه حتى أنه ليترك من وقع المجون منه ، لينسب إلى أبي نواس.
ومما
يؤكد على النحل والوضع ورواية أخبار عن أشخاص ، ( لا سيما هارون الرشيد ) ألصقت
بهم إلصاقاً ، أن شعراً لأبي نواس افتراه أو بعضه قد نسب في الخبر لغيره ، ففي
صفحة (166) نجد خبراً لأبي نواس مع الرشيد ولو عدنا للاغاني لأبي الفرج فنظرنا في
الصفحة (225) من الجزء الثالث لرأينا الخبر نفسه ، ولكن ليس لأبي نواس ولا مع
الرشيد ، وإنما يعزى هناك لبشار ابن برد مع المهدي.
إن
كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني الذي جعله الكثيرون مرجعاً تاريخياً ، واستقوا
منه قصص أبي نواس مع الرشيد على أساس أنها حقائق تاريخية ، فإن مؤلفه متهم في
أمانته الأدبية والتاريخية فقد ورد في معجم الأدباءأن أبا الفرج الأصفهاني : على
بن الحسين بن محمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان بن
الحكم ابي العاص بن أمية بن عبد شمس ، أبو الفرج الأصفهاني ، مات في رابع عشر ذي
الحجة سنة 356هـ في خلافة المطيع لله ، وكان وسخاً قذراً لم يغسل ثوباً منذ فصله
إلى أن قطعه ، كان وسخاً في نفسه ، ثم في ثوبه ونعله ، حتى أنه لم يكن ينزع دراعه،
إلا بعد ابلائها وتقطيعها ، لا يعرف لشيء من ثيابه غسلاً ولا يطالب منه في مدة
بقائه عوضاً.
وقال
الخطيب : حدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن طباطبا العلوي ، سمعت أبا محمد
الحسن بن الحسين بن النوبتخي ، كان يقول : كان أبو الفرج الأصفهاني أكذب الناس ،
كان يشتري شيئاً من الصحف ثم تكون رواياته كلها منه.
فإذا
كانت هذه الحقائق عن أبي الفرج وعن كتاب الأغاني ، فإنه حري بنا ألاّ نعتبره مصدراً
موثقاً لتاريخ هارون الرشيد أو الدولة العباسية ، فهو كتاب أدب لا كتاب تاريخ ،
ويجوز أخذ التاريخ من كتب الأدب إذا كان كاتب الأدب عدلاً لا رجلاً مجرحاً كأبي
الفرج الأصفهاني .
ومن
الكتب التي شوهت سيرة هارون الرشيد : إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس،
تأليف محمد المعروف بدياب الأتليدي ، وقد نشر هذا الكتاب في مصر عام 1366هـ، وكتب
عليه مؤلفه في صفحات العنوان ( ملح أدبية ونوادر فكاهية ) والعنوان وحده يكفي للرد
على ما ساقه من تشويهات في حق هارون الرشيد ، فالكتاب ليس كتاب تاريخ ، وإنما كتاب
نوادر ألّفه صاحبه للفكاهة والتندر .
يورد
الأتليدي في كتابه هذا قصصاً كثيرة يتحدث فيها عن هارون الرشيد مع حواريه ولا
يختلف هذا الكتاب في هذه الناحية عن كتاب الأغاني الذي سبق الرد عليه ، ويتحدث
الكتاب عن نكبة البرامكة ، ويثير للقصة المشهورة عن العباسة أخت الرشيد التي وردت
في كتاب جورجي زيدان ، ويسميها المؤلف ميمونة ، كما بتعرض في كتابه عن سبب نكبة
الرشيد للبرامكة أنهم استلموا الأموال والضياع لأنفسهم وأولادهم ، بينما حرموا
العباسيين منها ، وقد سبق أن عالجنا موضوع البرامكة ولا نرى داعياً لتكراره .
والكتاب
كما أشرت سابقاً ، كتاب ملح أدبية ونوادر
فكاهية كما أشار صاحبه بذلك، وليس كتاب تاريخ ، ولم يورد لنا مصادره التي استقى
منها أحداثه ، ولذلك لانحفل كثيراً بما جاء به من تشويهات في حق هارون الرشيد .
ولكي
نكون منصفين علينا أن ننظر للبيئة التي عاش فيها هارون الرشيد ، وكيف كان يعيش
حياته،فقد ورد في العديد من المصادر أن هارون الرشيد كان يصلي كل يوم مائة ركعة
إلى أن فارق الدنيا ، إلا من مرض ، وكان يتصدق من ماله كل يوم بألف درهم ، بعد
زكاته وكان إذا حج ، حج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم ، فإذا لم يحج حجج ثلاثمائة
رجل بالنفقة السابقة والكسوة الباهرة.
وكان
يحب العلم وأهله ، ويعظم حرمات الإسلام ، ويبغض المراء في الدين ، والكلام في
معارضة النص.
كان
الفضيل بن عياض يقول : ( ما من نفس أشدّ على موتاً من هارون الرشيد ، ولوددت أن
الله زاد من عمري في عمره ) ، فعظم ذلك على أصحابه ، فلما مات ، وظهرت الفتن ،
وكان من المأمون ما حمل الناس عليه من القول بخلق القرآن ، قالوا : الشيخ أعلم بما
تكلم به.
والفضل
بن عياض العالم الجليل الورع إذا كان هذا رأيه في هارون الرشيد ، فهي تزكية له ،
فلو كان الرشيد ممن يشربون الخمر ومن دعاة الفسق أو من الحكام الظالمين لما تمنى
طول عمره ولما قال فيه ما قال ، فهذه شهادة للرشيد من عالم جليل معاصر لحياته وهو
رجل عدل نأخذ بشهادته للتاريخ .
قال
الجاحظ : اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره ، وزراؤه البرامكة ، وقاضيه : أبو يوسف،
وشاعره : مروان بن أبي حفصة ، ونديمه العباس بن محمد بن عم أبيه ، وزوجته : زبيدة
، ومغنيه: إبراهيم الموصلي ، وصاحبه الفضل بن الربيع ، أبهى الناس وأعظمهم ، وكانت
أيام الرشيد كلها خيراً كأنها من حسنها أعراس.قال الأصمعي : صنع الرشيد يوماً
طعاماً كثيراً وزخرف مجالسه وأحضر أبا العتاهية فقال له : صف لنا ما نحن فيه من
نعيم هذه الدنيا فقال :
عش
ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور
فقال
أحسنت ثم ماذا ؟ فقال :
يسعى عليك بما اشتهيت لدى الرواح وفي البكور
فقال
أحسنت ثم ماذا ؟ قال :
فإذا النفوس تقعقعت في ظل حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقنا ما كنت إلا في غرور
فبكى
الرشيد وقال الفضل بن يحى : بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته ، فقال : دعه،
فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا.
يورد
المسعودي هذه القصة عن ورع الرشيد ، قال الرياشي : قال الأصمعي : دخلت على الرشيد
وهو ينظر في كتاب ، ودموعه تنحدر على خديه ، فظلت قائماً حتى سكن،وحانت منه
التفاته ، فقال أجلس يا أصمعي أرأيت ما كان ؟ والله لو كان لأمر الدنيا ما رأيت
هذا ، ورمى بقرطاس ، فإذا فيه شعر لأبي العتاهية بخط جليل هو :
هل أنت بمعتبر بمن خليت منه غداة مضى دساكره
وبمن أذل الموت مصرعه فتـــــــــــبرأت منه عشائره
وبمن خلت منه أسرته وبمــــــــــن خلت منه منابره
أين الملوك وأين غيرهم صاروا مصيراً أنت صائره
يا مـــــــؤثر الدنيا بلذته والمســــتعد لمــــــــن يفاخره
نل مــــــا بدا لك أن تنال فإن المــــــــــــــــــــــــوت آخره
ثم قال الرشيد : كأني والله أخاطب بذلك من
دون الناس ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات.
فالخليفة
هارون الرشيد ، هو الخليفة الذي حج ماشياً ، فقال عنه منصور بن عمار :
ما
رأيت أغزر دمعاً عند الذكر من ثلاثة :
الفضيل
بن عياض والرشيد وآخر، وقال القاضي الفاضل في بعض رسائله ما أعلم أن لملك رحلة قط
في طلب العلم ، إلا الرشيد ، فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على
مالك رحمه الله ، قال : وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين ، قال :
ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى الإسكندرية فسمعه على علي بن طاهر
بن عوف ولا أعلم لهما ثالثاً.
وقد
كتب عباس محمود العقاد حديثاً طريفاً في كتاب الهلال عن هارون الرشيد صور فيه ثقة
هارون الرشيد بالبرامكة وكيف أنهم خانوه رغم هذه الثقة ، ونصطفى من حديث العقاد
هذه الفقرات :
يقول
هارون الرشيد أنه وثق بالبرامكة وأسلم خاتم الملك إليهم ، وبلغ من أحدهم أنه تصرف
بغير علمي في رضاي وغضبي ، وفي زواج بناتي وولاية ملكي .
دخل
ابن عمي عبد الملك بن صالح على جعفر وسأله : هل من حاجة تبلغها مقدرتي وتحيط بها
نقمتي فأقضيها لك ؟
قال
:بلي إن في قلب أمير المؤمنين تغيراً على فتسأله الرضى عنه .
قال
جعفر : قد رضى عنك أمير المؤمنين .
قال
عبد الملك : وعلي عشرة آلاف دينار .
قال
جعفر : هي حاضرة لك من مالي ولك من مال أمير المؤمنين مثلها .
قال
عبد الملك : وأريد ان أشد ظهر ابني إبراهيم بمصاهرة أمير المؤمنين .
قال
: قد زوجه أمير المؤمنين بابنته الغالية .
قال
: وأحب أن تحقق الولاية على رأسه .
قال
: قد ولاه أمير المؤمنين مصر .
فلما
كان الغد ابلغني الحديث ، فما نقضت جزءاً مما أبرم ، وفوضته في قلبي وفي ذريتي وفي
ملكي . فبماذا جزاني؟
لقد
اغتر المخدوع بظاهر ثقتي وما اغتررت بظاهر طاعته . إن الثقة بغير حذر غفلة وقلة
حيلة . فما حذرته يوماً كما حذرته وهو في الغاية من الزلفي وزوال الكلفة . ولقد
كان من خدمه من ينقل إليّ سقطات لسانه في جده ومزاحه ، فكشف بسقطة من هذه السقطات
نيات في صدره طالما أخفاها في أعماله الجسام التي كان يسترها بالتدبير والدهان ،
وقيل له مرة وهو يسكر ويسمر :
إن
أبا مسلم الخراساني لعظيم لأنه نقل الخلافة من بيت إلى بيت ، فقال : وأي فضل له
فيما فعل؟ إنه سفك في هذه النقلة ستمائة ألف نفس ، وإنما الرجل من ينقل الدولة من
أمة إلى أمة ولا يسفك دماً في هذا السبيل.
يتبين
لنا من هذه الرواية أن البرامكة كانوا ينوون تحويل الملك من الدولة العباسية
وكانوا يتآمرون في ذلك سراً ، وكان هارون الرشيد يرصد تحركاتهم ، وعندما منحت له
الفرصة ، وتأكد له تآمرهم لم يرحمهم وبطش بهم وأزال دولتهم ، وبما أن هارون الرشيد
لم يبح بسره لأحد، فقد انتشرت الشائعات ، وحبكت الروايات عن نهايتهم المأساوية
والمفاجئة ووصل بهم الخيال حداً أن ألفوا قصة العباسة أخت الرشيد ويطعنوا في شرفه
وقد أخذهم هارون الرشيد بالحزم والانصاف ولم يأخذهم بالظنون والشبهات .
الروايات
الكنسية الأوربية :
اهتمت
الروايات الكنسية بمراسلات هارون الرشيد وشارلمان ملك بلاد غاليا( فرنسا حالياً )
، وهي روايات غامضة لا تذكرها المصادر العربية ، ووردت في ثلاث مصــادر لاتينية هي:
( الأخبار الملكية الفرنكية ) و ( سيرة الإمبراطور شارل الكبير ( شارلمان ) لا
ينهارد)، وما كتبه الراهب سنت كول.
اختلف
المؤرخون ليس فقط حول طبيعة هذه العلاقات وأهدافها بل على حقيقة وقوعها ، تشير بعض
الروايات اللاتينية المضطربة إلى أن شارلمان بدأ يخطب ود الخليفة هارون الرشيد ،
فأرسل له وفداً رسمياً عام 798م ، ثم أرسل رسولاً إلى بطريق القدس عام 799م ، وقد
رد الرشيد بإرسال وفد عام 801م وأعقبه شارلمان بإرسال وفد ثان عام 802م ، فرد عليه
الرشيد بوفد عام 807م.
كانت
الوفود تحمل الهدايا المختلفة إلى كل من العاهلين ، كما أرسل شارلمان هبات إلى
الأماكن المسيحية المقدسة في فلسطين ، مما دعا بطريق بيت المقدس إلى إرسال وفد عام
800م يحمل مفاتيح كنيسة القيامة ومدينة القدس ورايتها إلى شارمان ، وقد حمل بعض
الباحثين والأوربيين هذه الروايات المفعمة بالخيال والغامضة في مصادرها الأصلية
اكثر مما يجب ، فابتدعوا أسطورة تاريخية جديدة فحواها أن شارلمان أصبح حامياً
للأراضي المقدسة في فلسطين وأميراً على القدس ، بموافقة الخليفة مقابل أن يحاول
شارلمان الاستيلاء على الأندلس باسم العباسيين ، ويقف ضد البيزنطيين ، ليحول دون
تهديدهم البري والبحري للدولة العباسية.
لقد
كان دي ريانأول من أيد هذه الفرضية بدراسة مسهبة مبنية على المصادر اللاتينية ،
ولكن المؤرخ الروسي الشهير بارتولد عارضها بمقالة عام 1912م، وقد أنكر بارتولد أن
يكون شارلمان قد فاوض الرشيد ، وأن هذا الأخير لم يعطه حق الحماية على فلسطين ،
واستند بارتولد في رأيه هذا على سكوت المصادر العربية والمسيحية الأخرى ، عدا
المصادر الثلاثة اللاتينية ، ويرى بــارتولد أن ما يسمى (بالوفود ) لم يكن أكثر من
تجار يهود لا سفراء رسميين .
لم
تغفل المصادر العربية شيئاً عن هارون الرشيد ، ولو كان الأمر صحيحاً لوجدناه فيها
، كما أن هارون الرشيد لم يكن ضعيفاً ليستعين بشارلمان ضد البيزنطيين ، ولم تضره
إمارة الأندلس شيئاً ليستعين بكافر على مسلم ونحن نعلم مدى ورعه ، ولم ترد هذه
الروايات سوى في المصادر الكنسية وأهملتها المصادر المسيحية الأخرى ، والواضح أن
شارلمان أراد كسباً إعلامياً دعائياً بأنه راسل الرشيد وبأن الرشيد أعطاه حق حماية
بيت المقدس حتى تعظم مكانته أمام شعبه.
ويبدو
أنه لهذا السبب قارن المؤرخون الأوربيون بين هارون الرشيد وشارلمان كما يذكر شوقي
أبو خليل فجعلوا قصر الرشيـد كقصر شارلمان على ما فيه من قصص حب وغراميات، وشراب
ورقص وضيع وغناء مائع ، فشوهوا حياة الرشيد في كتبهم وفكرهم ، وبقيت الحقيقة في
كتبنا ومراجعنا العربية .
خاتمـــــة :
يتبين
لنا في الختام أن هارون الرشيد ظلم كما يرى الباحث ، وكما يقول العقاد ، فإن آفة
الشهرة تخلق السيئات كما تخلق الحسنــــات ، وتبالــــغ في السيئة الصــحيحة كمــا
تبالــغ في الحســــنة الصحيحة .
فما
ورد في قصته مع البرامكة تشير إلى أنه أعطاهم ثقة غالية إلا أنهم خانوا هذه الثقة
وحاولوا نقل الملك عن العباسيين وممالأة العلويين عليهم ، بل هناك من أتهمهم بنقل
الخلافة عن العرب إلى الفرس كما سلك البعض في معتقداتهم .
أما
اتهام الرشيد بشرب الخمر فما ورد في آراء ابن خلدون كافياً على الرد على هذه
الفرية ، كما أن المعاصرين لهارون الرشيد من الفقهاء لم يذكروا له ذلك مما ينفي
هذه التهمة الشنيعة .
أما
قصصه مع أبي نواس فهي مجرد تلفيق ، وقد قصد الكتاب والأدباء أن يحلوا بها كتبهم
وتعين القصاص في إمتاع الناس بطرائفهم ، فسارت القصص مع الركبان .
أما
الروايات الكنسية الأوربية فقد أشرنا إليها وأوضحنا أنها روايات مختلقة قصد بها
شارلمان أن يرفع من قدره ويكسب شهرة بين رعاياه .
فهارون
الرشيد ابن بيئته ، ومعاصروه هم شهود على سيرته ، فإن كان رجل خير ، اعترفوا له
بذلك ، وإن كان فيه قدح ذكروه ، وعلينا ألا نقبل في حالة الذم شهادة رجل إلا إذا
كان عدلاً ونحن لا نزكي على الله أحداً ، والمصادر التاريخية الموثقة تكاد تجمع
على صلاح الرجل وعلى ما قام به من دور مقدر في سبيل خدمة الإسلام والحضارة
الإسلامية ، فقد بلغت الدولة العباسية شأواً بعيداً في القوة والسؤدد وكانت تعيش
عصرها الذهبي، وكانت الحرمات مرعية ، والثغور محصنة ، وكانت الدولة مهابة الجانب ،
وكل ما قيل في حق هارون الرشيد افتراء عليه ، وقد ظُلم الرجل وكثر أعداؤه ، فعبثوا
بسيرته وشوهوها أيما تشويه ، ونحن مطالبون بالدفاع عنه خدمة للحقيقة التاريخية
والله من وراء القصد وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
_أستاذ
التاريخ والحضارة الإسلامية المشارك ، جامعة النيلين
(1)
ابن كثير - البداية والنهاية ، ج10ص .
(2) نقفور : من أولاد
جفنة من غسان ، كان يلي ديوان الخراج قبل الملك ، وخلع الروم ريني وجعلوه
إمبراطوراً لهم ( الطبري : تاريخ الأمم والملوك ج8 ص307 ) .
(3) الطبري ،تاريخ
الأمم والملوك ، ج8ص307 ، 308 .
(4) المصدر السابق ،
ص308 .
(5) الطبري ، تاريخ
الأمم والملوك ، ج8 ، ص320 ، 321 .
(6) فاروق عمر ،
العباسيون الأوائل ، ص21 .
(7) المرجع السابق ،
ص21 .
(8) الطبري ، تاريخ
الأمم والملوك ، ج8 ، ص233 .
(9) الطبري ، تاريخ
الأمم والملوك ، ج8 ، ص233 .
(10) فاروق عمر ،
العباسيون الأوائل ، ص22 .
(11) فاروق عمر ، المرجع
السابق ، ص22 .
(12)
مقدمة ابن خلدون .

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire