lundi 4 mars 2013

خالد بن الوليد رضي الله عن













رب يسر وأعن برحمتك

خطبة الكتاب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وآله الطيبين وصحبه أجمعين أما بعد:
فهذا كتاب يحكي عن بطل من أبطال الإسلام، أشتهر بالشجاعة والإقدام، أنه الصحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه، وعن الصحابة أجمعين .
وكنت سنة خمسة وعشرين وأربعمائة وألف من الهجرة ، قد وضعت له ترجمة في كتابنا {الجامع في أخبار الصحابة z ولكنه ليس كهذا الكتاب فهو أشمل وأجمل , وأسميته بـ {سيف الله خالد بن الوليدz ، راجياً من المولى جل في علاه التوفيق والسداد ، إنه نعم المولى ونعم النصير .

المعتصم بالله أبي الحسن تركي الدهماني
الثلاثاء الأول من صفر الخير سنة ثلاثين وأربعمائة وألف
من الهجرة النبوية الشريفة






اسمه وكنيته :
هو خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مُرّة بن كعب بن لؤي بن غالب .
يكنى : أبو سليمان المخزومي  . سيف الله .
وأمه: هي عَصْماء لُبَابة الصغرى بنت الحارث بن حزن بن يحيى بن الهزَم بن رٌويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن قيس عيلان . وقيل: هي لبٌابة الكبرى بنت الحارث الهلالية , وهي أخت أم الفضل بنت الحارث، أم بني العباس بن عبد المطلب , وهي أيضاً أخت ميمونة بنت الحارث ، زوج النبي .

خبر الوليد بن المغيرة :
والوليد بن المغيرة أحد المستهزئين بالنبي ، كان يكنى أبا عبد شمس ، كانت قريشاً تكسو البيت جميعها ، وكان الوليد يكسوه وحده , وهو الذي جمع قريشاً , وقال:أن الناس يأتونكم أيام الحج , فيسألونكم عن محمد فتختلف أقوالكم فيه، فيقول هذا : ساحر ، ويقول هذا : كاهن ، ويقول هذا: شاعر، ويقول هذا : مجنون ، وليس يشبه واحداً مما يقولون , ولكن أصلح ما قيل فيه: ساحر , لأنه يفرق بين المرء وأخيه وزوجته، وقال أبو جهل : لئن سب محمد آلهتنا سببنا إلهه , فأنزل الله تعالى:﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ]الأنعام: 101[ .
وذكر ابن كثير في $السيرة# : قال البيهقي: عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش وكان ذا سن فيهم ، وقد حضر الموسم(1) فقال : أن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سعموا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً ، ويرد قول بعضكم بعضاً، فقيل: يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأياً نقوم به. فقال : بل أنتم فقولوا , وأنا أسمع. فقالوا: نقول كاهن.فقال: ما هو بكاهن ، رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكهان.فقالوا:نقول:مجنون.فقال: ما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون وعرفناه فمما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته.فقال : نقول شاعر .فقال: ما هو بشاعر ، قد عرفنا الشعر بزجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطة ، فما هو بالشعر، قالوا :فنقول هو ساحر.قال : ما هو بساحر ، قد رأينا السحار وسحرهم فما بنفثة ولا بعقده. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟قال: والله أن لقوله حلاوة ، وأن أصله لعذق (1)، وإن فرعه لجنيُّ(1) فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عُرف أنه باطل ، وإن أقرب القول لأن تقولوا : هذا ساحر , فتقولوا: هو ساحر يفرق بين المرء ودينه ، وبين المرء وأبيه ، وبين المرء زوجته، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وعشيرته ، فتفرقوا عنده بذلك فجعلوا يجلسون للناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره.
وأنزل الله في الوليد : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (12) وَبَنِينَ شُهُوداً (13) ] المدثر : 11-13[ .
وفي أولئك النفر الذين جعلوا القرآن عضين:﴿فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (93) . ] الحجر: 92-93 [ .
قلت :ذكره البيهقي في دلائل النبوة .

وذكر ابن إسحاق قول الله تعالى : ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً الآيات التي نزلت في الوليد ، وفيها له تهديد ووعيد شديد ، لأن معنى:﴿  ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ أي: دعني وإياه ، فسترى ما أصنع به ، كما قال:﴿ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ [ القلم :44] وهي كلمة يقولها المغتاظ إذا أشتد غيظه وغضبه ، وكره أن يشفع لمن أغتاظ عليه، فمعنى الكلام  أي : لا شفاعة تنفع لهذا الكافر ، ولا استغفار يا محمد منك , ولا عنه ، لأن ماله كان ممدوداً ، والمال الممدود عندهم: أثنا عشر ألف دينار فصاعداً , ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً [المدثر :14] , أي:هيأت له ، وقدمت له مقدمات استدراجاً له ، وقوله تعالى: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً[المدثر :17] هي عقبة في جهنم ، يقال لها : الصعود مسيرها سبعين سنة، ويكلف الكافر أن يصعدها ، فإذا صعدها بعد عذاب طويل صُب من أعلاها ولا يتنفس ، ثم لا يزال كذلك أبداً .
وقال ابن إسحاق : فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول الله لمن لقوا من الناس ، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ، فانتشرت ذكره في بلاد العرب كلها . (1)
وفاة الوليد بن المغيرة :
وذكر ابن الأثير في «الكامل في التاريخ» : ومات يعني الوليد بن المغيرة- بعد الهجرة بعد ثلاثة أشهر وهو ابن خمس وتسعين سنة، ودفن بالحجون ، وكان مرّ برجل من خزاعة يريش نبلاً له فوطئ على سهم منها فخدشه ، ثم أومأ جبرائيل إلى ذلك الخدش بيده فأنتفض ومات منه، فأوصى إلى بنيه أن يأخذوا ديته من خزاعة فأعطت خزاعة ديته .


قصة إسلام خالد بن الوليد رضي الله عنه :
ذكر الواقدي في «المغازي» قال : فحدثني يحيى بن المغيرة بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام ، قال : سمعتُ أبي يحدَّث يقول : قال خالد بن الوليد : لما أراد الله بي من الخير ما أراد ، قذف في قلبي حب الإسلام، وحضرني رشُدي وقلتُ : قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد ، فليس موطن أشهد إلا وأن وأنصرف  , وإني أرى في نفسي أني موضع في غير شيء  , وأن محمداً سيظهر، فلما خرج رسول الله إلى الحُديبية خرجتُ في خيل المشركين , فلقيتُ رسول الله في أصحابه بعُسفان(1) فمعتُ بازائه وتعرضت له ، فصلى بأصحابه الظهر آمناً منا فهممنا أن نغير عليه ، ثم لم يعزم لنا، وكانت فيه خيرة، فاطلع على ما في أنفسنا من الهموم به، فصلى بأصحابه العصر صلاة الخوف , فوقع ذلك مني موقعاً ، وقلتُ : الرجل ممنوع ، وافترقنا وعدل عن سنن خيلنا ، وأخذ ذات اليمين ، فلما صالح قريشاً بالحُديبية ودافعته قريش بالرواح ، قلت في نفسي : أي شيء بقي ، أين المذهب ؟ إلى النجاشي , فقد اتبع محمداً , وأصحابه آمنون عنده، فأخرج إلى هرقل؟ فأخرج من ديني إلى النصرانية أو يهودية ، أقيم مع عجم تابع أو أقيم في داري فمن بقي؟ فأنا على ذلك إذ دخل رسول الله في عُمرة القضية وتغيبتُ فلم أشهد دخوله ، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي في عمرة القضية فطلبني فلم يجدني , فكتب إليَّ كتاباً فإذا فيه:
X
أما بعد ، فإني لم أرَ أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام ، وعقلك عقلك، ومثل الإسلام جهله أحدُ، وقد سألني رسول الله فقال:$أين خالد؟# فقلت: يأتي الله به ، فقال:$ما مثل خالد جهل الإسلام , ولو كان جعل نكايته وحده مع المسلمين على المشركين لكان خيراً له، ولقدّمناه على غيره# ، فاستدرك يا أخي ما فاتك منه ,فقد فأتتك مواطن صالحة .
قال: فلما جاءني كتابه نشطت للخروج ، وزادني رغبةٌ في الإسلام ، وسرتني مقالة رسول الله .
قال خالد رضي الله عنه : وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة جديبة ، فخرجتُ إلى بلد أخضر واسع ، فقلتُ: إن هذه لرؤيا , فلما قدمت المدينة قلت : لأذكرنها لأبي بكر- الصديق- ، قال : فذكرتها ، فقال: هو مخرجك الذي هداك الله للإسلام ، والضيق الذي كنت فيه الشرك ، فلما أجمعتُ الخروج إلى رسول الله , قلتُ: من أصاحب إلى محمد؟ فلقيت صفوان بن أمية , فقلتُ: يا أبا وَهْب أما ترى ما نحن فيه إنما نحن أكلة رأس , وقد ظهر محمد على العرب والعجم ، فلو قدمنا على محمد فاتبعناه فإن شرف محمد لنا شرف، فأبى أشد الإباء وقال : لو لم يبق غيري من قريش ما اتبعته أبداً , فافترقنا، وقلت : هذا رجل موتور يطلب وتراً، قٌتل أبوه وأخوه ببدر .
قال : فلقيت عكرمة بن أبي جهل ، فقلتٌ له مثل ما قلتُ لصفوان، فقال لي مثل ما قال صفوان ، قلت: فاطو ما ذكرت لك ، قال : لا أذكره ، وخرجت إلى منزلي ، فأمرت براحلتي تخرج إليَّ إلى أن ألقى عثمان بن طلحة، فقلتُ : إن هذا لي لصديق ولو ذكرت له ما أريد ، ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أذكره، أريد، ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أذكره، ثم قلت : وما عليَّ وأنا راحل من ساعتي ، فذكرتُ له ما صار الأمر إليه ، وقلت له نحواً مما قلت لصاحبيه , فأسرع الإجابة ، وقال : لقد غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدوا، وهذه راحلتي بفخ (1) مناخة، قال : فاتعدت أنا وهو بيأجج (2) إن سبقني أقام، وإن سبقته أقمت عليه ، قال: فأدلجنا سُحره فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج ، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدّة فنجد عمرو بن العاص بها , فقال : مرحباً بالقوم , قلنا : وبك ، قال : أين مسيركم؟ قلنا: ما أخرجك ؟
قال : فما الذي أخرجكم ؟ قلنا : الدخول في الإسلام وإتباع محمد.قال : وذاك الذي أقدمني .
قال- خالد رضي الله عنه- : فاصطحبنا جمعياً حتى قدمنا المدنية فأنخنا بظاهر الحَرّة ركابنا، وأخُبر بنا رسول الله ، فسرّ بنا , فلبستُ من صالح ثيابي ,  ثم عمدتُ إلى رسول الله ، فلقيني أخي , فقال : أسرع فإن رسول ، قد أُخبر بك فسرّ بقدومك ، وهو ينتظركم ، فأسرعتُ المشي فطلعت عليه فما زال يبتسم إليَّ حتى وقفتُ عليه فسلمتُ عليه بالنبوة ، فردّ عليَّ السلام بوجهٍ طلقٍ ، فقلتُ : إني أشهد أن لا إله إلا الله , وأنك رسول الله ، فقال رسول الله :«الحمد لله الذي هداك ، قد كنت أرى لك عقلاً ، ورجوت أن لا يسلمك إلاَّ إلى خير» ، قلتُ : يا رسول الله ، قد رأيت ما كنت , أشهد من تلك المواطن عليك معانداً عن الحق , فادع الله يغفرها لي ، فقال رسول الله :«الإسلام يَجُبُ ما كان قبله».قلتُ: يا رسول الله على ذلك.فقال:«اللهم أغفر لخالد بن الوليد كلما أوضع فيه من صدَّ عن سبيلك».
قال خالد - رضي الله عنه - : وتقدم عمرو وعثمان فبايعا رسول الله ، وكان قدومنا في صفر من سنة ثمان ، فو الله ما كان رسول الله من يوم أسلمتُ يعدل بي أحداً من أصحابه فيما حَزبهُ .
قلت : وذكره أيضاً ابن عساكر في تاريخه.
وذكر خليفة بن خياط في«تاريخه»في حوادث ست , ذكر إسلام عمرو بن العاص ، ولم يرد ذكر إسلام خالد بن الوليد في هذه السنة.
لكنه ذكر في- حوادث سنة سبع- وقال : في سنة سبع فيها : أسلم أبو هريرة وعمران بن حُصين زمن خَيبرْ ، وخالد بن الوليد بين الحديبية وخَيبْر .
وذكر الواقدي في «المغازي» : حدثني ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى المقدام، عن أبيه، عن جده ، قال : سمعتُ خالد بن الوليد , يقول : حضرت رسول الله بخيبر.
وقال الواقدي : الثبت عندنا أن خالداً لم يشهد خيبر، وأسلم قبل الفتح , هو وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة , أول يوم من صفر سنة ثمان.
وذكر الطبري في « تاريخه » في حوادث سنة ثمان : وفيها قدم عمرو بن العاص مسلماً على رسول الله ، قد أسلم عند النجاشي ، وقدم معه عثمان بن طلحة العبدريّ ، وخالد بن الوليد بن المغيرة ، قدموا المدنية في أول صفر.
وذكر ابن عساكر في « تاريخه» : عن الزبير بن بكار، حدثني محمد بن سلام،  حدثني محمد بن حفص التيمي ، قال : لما كانت الهدنة بين النبي وبين قريش ووضعت الحرب، خرج عمرو بن العاص إلى النجاشي يكيد أصحاب رسول الله وكانت له منه ناحية ، فقال له : يا عمرو تكلمني في رجل يأتيه الناموس ، كما كان يأتي موسى بن عمران ، قال : قلت : وكذاك هو أيها الملك,  قال : نعم ، قال : فأنا أبايعك له فبايعه على الإسلام، ثم قدم مكة فلقي خالد بن الوليد بن المغيرة ، قال له : ما رأيك ؟ قال : لقد استقام الميسم والرجل نبي ، قال : فأنا أريده ، قال : وأنا معك، قال له عثمان بن طلحة بن أبي طلحة : وأنا معك ، فقدموا على النبي المدنية .
وعند ابن عساكر في « تاريخه » ، قال الزبير: قال محمد بن سلام : قال لي أبان بن عثمان : فقال عمرو بن العاص : فكنت أسن منهما فقدمتهما لأستدبر أمرهما ، فبايعا على أن لهما ما تقدم من ذنوبهما , فأضمرت أن أبايعه على أن لي ما تقدم وما تأخر ، فلما أخذتُ بيده وبايعته على ما تقدم نسيت ما تأخر ، قال محمد بن سلام: قال محمد بن حفص ، قال ابن الزبعري :
أنشد عثمان بن طلحة حلفنا             وملقى نعال القوم عند المُقَّبلِ
وما عقد الآباء من كل حلفةٍ             وما خالدُ من مقلهـا بمحُملَّل
أمفتاح بيتٍ غير بيتك تبتغي            وما تبتغي عن مجد بيت مُؤثل
وفي $السيرة النبوية لابن هشام# : عن ابن إسحاق ، حَدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس ، عن حبيب ، حَدّثني عمرو بن العاص من فيه قال : خرجتُ عامداً لرسول الله فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبل الفتح وهو مقبل من مكة , فقلتُ : أين يا أبا سليمان؟ قال : والله لقد استقام الميسم , وإن الرجل لنبي ، أذهب , والله أسلم فحتى متى؟ فقلتُ: وأنا والله ما جئتُ إلا لأسلم . فقدمنا على رسول الله فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوتُ فبايعته ثم انصرفت.

وذكر ابن عساكر في « تاريخه » : عن حبان بن أبي جَبَلة، عن عمرو بن العاص، قال : ما عدل بي رسول الله وبخالد بن الوليد أحداً من أصحابه في حربه منذ أسلمنا.
ذكر أول مشاهده بعد إسلامه رضي الله عنه:
غزوة مؤتة:
قلت: شهد خالد بن الوليد t غزوة مؤتة، وما بعدها من المشاهد مع نبي الله وإخوانه المسلمين ، وهذه الغزوة هي أول غزوة يغذوها بعد أن أسلم ، وكان رسول الله قد استعمل على المسلمين يومئذٍ زيد بن حارثة , وقال « إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس , فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس» ، وعدد الجيش يومئذٍ ثلاثة آلاف مقاتل ، فقاتل زيد بن حارثة حتى قتل شهيداً ، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قُتل شهيداً، ثم أخذ الراية ابن رواحة فقاتل حتى قتل شهيداً ، ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان ، فقال : يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم ، فقالوا : أنت ، قال : ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وخاشى(1) بهم ، ثم أنحاز و انحيز عنه، حتى أنصرف بالناس. (2)
وذكر ابن عساكر في « تاريخه » : عن حميد بن هلال ، عن أنس بن مالك أن رسول بعث زيداً ، وعبد الله بن رواحة ، فدفع الراية إلى زيد، قال : فأصيبوا جميعاً , قال : قال أنس فنعاهم رسول الله إلى الناس قبل أن يجيء الخبر , قال : أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها عبدالله فأصيب ، ثم أخذ الراية بعدُ سيف من سيوف الله خالد بن الوليد، قال : فجعل يحِّدث الناس وعيناه تذرفان .
وعند ابن عساكر : عن أبو قتادة الأنصاري فارس رسول الله قال : بعث رسول الله جيشه قال:« عليكم زيد بن حارثة , فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب ، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة » فوثب جعفر فقال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما كنت أرهب أن يستعمل عليَّ زيداً ، قال:«امضه ، فإنك لا تدري في أي ذلك خيراً» , فلبثوا ما شاء الله , ثم أن رسول الله قعد على المنبر وأمر أن يُنادى: الصلاة جامعة ، فقال رسول الله :« ثاب خبر وثاب خبر ، ألاَّ أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؟ , انطلقوا فلقوا العدو فأصيب زيد شهيداً , استغفروا له».فاستغفر له الناس ، « ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فشدَّ على القوم حتى قتل شهيداً فاستغفروا له» فاستغفر الناس له ، « ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فثبت قديمه حتى قتل شهيداً ، اشهدُو له بالشهادة، فاستغفروا له » فا ستغفر له الناس« ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء ، هو أمر نفسه » ثم رفع رسول الله صبعيه , فقال:«اللهم هذا سيف من سيوفك فانتقم به» فُسميَّ خالد سيف الله، ثم قال:«انفروا وأمدُّوا إخوانكم ولا يتخلفنَّ أحدُ» , فنفر الناس في حرِّ شديد مشاةً وركباناً .
وعند ابن عساكر في « تاريخه» عن العطاف بن خالد المخزومي أن رسول الله أخبر أصحابه في مجلسه فقال:« التقى القوم فاقتتلوا قتالاً شديداً , فقُتل زيد بن حارثة، وأخذ الراية جعفر ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ، ثم قُتل جعفر ، ثم أخذ الراية عبدالله بن رواحة ثم مكث ما شاء الله أن يمكث، ثم قُتل ثم أخذ الراية خالد بن الوليد» ثم قال : « الآن حمي الوطيس ».
وذكر البخاري في «صحيحه» : عن حميد بن هلال ، عن أنس t: أن النبي نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبَرُهم , فقال : «أخذ الراية زيدُ فأصيب ، ثم أخذ جعفر فأصيب ، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، -وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سَيفُ من سيوف الله حتى فتح الله عليهم».
وذكر البخاري في «صحيحه »: عن قيس بن أبي حازمٍ قال : سمعتُ خالد بن الوليد يقول : لقد انقطعت في يدي يوم مُؤتَة تسعُة أسيافٍ فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية .
وذكر البخاري في «صحيحه» : عن قيس قال : سمعتُ خالد بن الوليد يقول : لقد دُق في يدي يوم مؤتة تسعة أسيافٍ , وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية
وذكر الواقدي في $ المغازي # لما قتل ابن رواحة مساءً بات خالد بن الوليد  فلما أصبح غدا وقد جعل مقدمته ساقةً , وساقته مقدمةً , وميمنته ميسرةً , ومسيرته ميمنةً , قال :فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم , وقالوا: قد جاءهم مدد , فرعُبوا أو أنكشفوا منهزمين , قال : قتلوا مقتلة لم يُقتلها قوم.
وفي الحديث عند البخاري: قول النبي : $ حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم # .
قلت : وكان عدد العدو يفوق عدد جيش المسلمين في تلك الغزوة فهزم الله عدوه.




ذكر بعث نبي الله خالد إلى بني جذيمة:
قال أبو الحسن الدهماني:ولما كان يوم فتح مكة حرسها الله , وفيها نصر الله رسوله والمؤمنون, وأذل المشركين والمنافقين , كان ذلك لعشر خلون من شهر رمضان سنة ثمانية للهجرة , في عشرة آلاف من الصحابة yأجمعين , واستخلف على المدينة أبا ذر الغفاريt , فلما فتح رسول الله مكة , بعث خالد بن الوليد داعياً ولم يبعثه مقاتلاً , ومعه قبائل العرب فوطئوا بني حذيمة  بن عامر بن عبد مناه بن كنانة , فلما رآه القوم أخذوا السلاح , فقال خالد : ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا , فلما أمرهم خالد بن الوليد أن يضعوا السلاح , قال رجل من بني جذيمة: أنه خالد , والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار , وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق , والله لا أضع سلاحي أبداً , فقالوا : يا حجذم أتريد أن تسفك دماءنا , إن الناس قد أسلموا , ووضعت الحرب , وآمن الناس , فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه, ووضع القوم سلاحهم لقول خالد , فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد فكتفوا , ثم عرضهم على السيف , فقتل من قتل منهم , فلما انتهى الخبر إلى رسول الله رفع يديه إلى السماء , ثم قال : $ اللهم إني أبراء لك مما صنع خالد بن الوليد # - مرتين- , ومع هذا لم يعزله رسول الله , بل استمر به أميراً على الجند , وإن كان قد تبرأ منه في صنيعه ذاك , وودى ما كان جناه خطأ في دم أو مال. (1)
ذكر البخاري في A صحيحه : @عن الزهري , عن سالم عن أبيه قال : بعث النبي خالد بن الوليد إلي بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسُنوا أن يقولوا: أسلمنا , فجعلوا يقولون : صبأنا صبأنا , فجعل خالد يقتُل منهم , ويأسر , ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره , فقلتُ : والله لا أقتل أسيري , ولا يقتل رجُل من أصحابي أسيرهُ , حتى قدمنا على النبي فذكرناهُ لهُ فرفع النبي يديه فقال: $اللهمُ إني أبرأ إليك مما صنع خالدُ # مرتين .
قلت : وأخرجه النسائي عن نوح بن حبيب .
وذكر محمد بن عمر الواقدي في Aالمغازي@ وابن عساكر في Aتاريخ دمشق@: عن إياس بن سلمة , عن أبيه , قال: لما قدم خالد بن الوليد على النبي ,          - يعني بعد ما صنع ببني جذيمة ما صنع- , عاب عبد الرحمن بن عوف على خالد ما صنع , قال : يا خالد أخذت بأمر الجاهلية قتلتهم بعمك الفاكه , قاتلك الله , قال : وأعانه عمر بن الخطاب على خالد ,فقال خالد : أخذتهم بقتل أبيك , فقال عبد الرحمن بن عوف : كذبت والله , لقد قتلتُ قاتل أبي بيدي , وأشهدتٌ على قتله عثمان بن عفان , ثم التفت إلى عثمان فقال : أنشدك الله هل علمت أني قتلتٌ قاتل أبي بيدي , وأنشدك الله هل علمت أني قتلتُ قاتل أبي؟ فقال عثمان: اللهم نعم , ثم قال عبد الرحمن: ويحك يا خالد, ولو أقتل قاتل أبي كنت تقتل قوماً مسلمين بأبي في الجاهلية؟ قال خالد : ومن أخبرك أنهم قد أسلموا , فقال: أهل السرية كلهم يخبروننا أنك وجدتهم قد بنو المساجد , وأقروا بالإسلام , ثم حملتهم على السيف ، قال : جاءني رسول  رسول الله أن أغير عليهم , فأغرتُ بأمر النبي , فقال عبد الرحمن : كذبت على رسول الله , وغالظ عبد الرحمن , وأعرض رسول الله عن خالد وغضب عليه , وبلغه ما صنع بعبد الرحمن , فقال : $ يا خالد ذروا لي أصحابي متى يُنكَ أنف المرء يُنكى المرء , ولو كان أحُد ذهباً تنفقه قيراطاً قيراطاً في سبيل الله , تُدرك غُدوة أو روحة من غدوات أو رواحات عبد الرحمن.
وذكر الواقدي في A المغازي @ وابن عساكر في A تاريخه @ : حدثني عبد الله بن عمر , عن نافع عن ابن عمر , قال : قال عمر بن الخطاب لخالد : ويحك يا خالد أخذت بني جذيمة بالذي كان من أمر الجاهلية ! أو ليس الإسلام قد محا ما كان في الجاهلية؟ فقال : يا أبا حفص , والله ما أخذتهم إلاَّ بالحق , أغرتٌ على قوم مشركين فامتنعوا , فلم يكن لي بد إذ امتنعوا من قتالهم , فأسرتهم , ثم حملتهم على السيف ,فقال عمر: أي رجل تعلم عبد الله بن عمر؟ قال: والله رجلاً صالحاً , قال : فهو الذي أخبرني غير الذي أخبرتني , وكان معك في ذلك الجيش , فقال خالد : فإني أستغفر الله وأتوب إليه, قال : فأنكسر عنه عمر , وقال : ويحك , أئت رسول الله يستغفر لك .
وذكر ابن عساكر في A تاريخه@ : عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن أهله , عن أبي قتادة وكان في القوم قال : لما نادى خالد في السحر من كان معه أسير فليدافعه , أرسلت أسيري , وقٌلتُ لخالد : اتق الله فإنك ميت , وإن هؤلاء قوم مسلمون , قال: رحمك الله يا أبا قتادة إنه لا علم لك بهؤلاء , قال أبو قتادة : فإنما يكلمني خالد على ما في نفسه من التَرة عليهم .







بعثه إلى بلحارث بن كعب  بنجران

قال أبو الحسن الدهماني: فلما كانت السنة العاشرة من الهجرة قيل في ربيع الآخر , وقيل في جمادى الأولى بعث رسول الله خالد بن الوليد سريةً في أربعمائة  إلى بلحارث بن كعب بنجران ,- وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثاً , فإن استجابوا لك فـأقبل منهم , وأقم فيهم وعلمهم كتاب الله وسنة نبيه , ومعالم الإسلام , فإن لم يفعلوا فقاتلهم - , فخرج خالد حتى قدم عليهم , فبعث الركبان يضربون في كل وجه , ويدعون إلى الإسلام , ويقولوا: أيها الناس أسلموا تسلموا , فأسلم الناس ودخلوا فيما دعٌوا إليه , فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام , وكتاب الله وسنة نبيه , كما أمره رسول الله إن هم أسلموا ولم يقاتلوا .
كتاب خالد بن الوليد إلى رسول الله :
ثم كتب خالد إلى رسول الله : A بسم الله الرحمن الرحيم , من خالد بن الوليد , السلام عليك يا رسول الله  ورحمة الله وبركاته , فإني أحمد إليك الله الذي لا اله إلا هو, أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك : فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب , وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة أيام , وأن أدعوهم إلى الإسلام , فإن أسلموا قبلت منهم وعلمتهم معالم الإسلام , وإني قدمت عليهم , فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول الله , وبعثت فيهم ركباناً , قالوا : يا بني الحارث أسلموا تسلموا , فأسلموا ولم يقاتلوا , وأنا مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به , ,وأنهاهم عما نهاهم الله عنه , وأعلمهم معالم الإسلام وسنة النبي حتى يكتب إليَّ رسول الله , والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته@.
فكتب إليه رسول الله : A بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد : سلام عليك , فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلاَّ هو, أما بعد , فإن كتابك جاءني مع رسولك يخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم , وأجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام , وشهدوا أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً عبده ورسوله , وأن قد هداهم الله بهداه , فبشرهم وأنذرهم وأقبل وليُقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته@ .
فأقبل خالد إلى رسول الله , وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب , ثم بعثه إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام , قال البراء : فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد , فاقمنا ستة أشهر يدعوهم الإسلام , فلم يجيبوه , ثم إن رسول الله بعث علي بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالداً , إلا رجلاً  كان ممن مع خالد , فأحب أن يعقب مع عليَّ فليعقب معه , فكنت فيمن عقب مع علي .

بعثه إلى أكيدر دومة :
كان ذلك قبل حجة الوداع , بعثه رسول الله بعد غزوة تبوك إلى أكيدر دومة , وكان نصرانياً , وقال رسول الله : A  إنك ستجده يصيد البقر @ , فخرج خالد t , حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين , وفي ليلة مقمرة صائفة , وهو على سطح له ومعه امرأته : هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال: لا والله , قالت:فمن يترك هذا ؟ قال:لا أحد , فنزل فأمر بفرسه , فأسُرج له وركب معه نفر من أهل بيته فيهما أخ له يقال له:حسان , فركب وخرجوا معه بمطاردهم , فلما خرجوا تلقتهم خيل النبي , فأخذته وقتلوا أخاه , وكان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب , فاستلبه خالد فبعث به إلى رسول الله قبل قدومه عليه.
عن أنس بن مالك , قال : رأيتُ قَباء أكُيْدر حين قدم به على رسول الله , فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه , فقال رسول الله Aأتعجبون من هذا فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسنُ من هذا @ ([1]).  
قال ابن إسحاق : ثم أن خالد بن الوليد لما قدم بأكُيدر على رسول الله حقن له دمه , فصالحه على الجزية , ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته. (1)
ومن بعثات النبي :
ما ذكره ابن عساكر في Aتاريخه@: عن عبد الملك بن عبد الرحمن بن  الحارث, قال : أمر رسول الله خالد بن الوليد أن يغير على بني كنانة إلاَّ إن  يسمع أذاناً أو يعلم إسلاماً , فخرج حتى انتهى إلى بني جذيمة فامتنعوا أشد الامتناع , وقاموا وتلبسوا السلاح , فانتظر بهم صلاة العصر , والمغرب والعشاء لا يسمع أذاناً , ثم حمل عليهم فقتل من قتل وأسر من أسر , فادّعوا بعدُ الإسلام .
ما وقع بين خالد وعمار بن ياسرب:
ذكر أبن عساكر في Aتاريخه@: عن أبي صالح , عن ابن عباس , قال: بعث رسول الله خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي على سرية ومعه في السرية عمار بن ياسر, قال: فخرجوا حتى أتوا قريباً من القوم الذين أرادوا أن يصبحوهم نزلوا في بعض الليل , قال:وجاء القوم النذيرُ فهربوا حيث بلغهم , قال:فأقام رجل منهم كان قد أسلم هو وأهل بيته , فأمر أهله فتحملوا وقال: قفوا حتى آتيكم , ثم جاء حتى دخل على عمّار فقال : يا أبا اليقظان إني قد أسلمت وأهل بيتي فهل ذلك نافعي إن أنا أقمتُ , فإن قومي قد هربوا حيث سمعوا بكم , قال:فقال له عمار: فأقم فأنت آمن , فانصرف الرجل هو وأهله , قال: وصبح خالد القوم فوجدهم قد ذهبوا , فأخذ الرجل هو وأهله, فقال له عمّار: إنه لا سبيل لك على الرجل قد أسلم , قال : وما أنت وذلك , أتجير عليَّ وأنا الأمير؟ قال : نعم , أجير عليك وأنت الأمير , إن الرجل قد آمن , ولو شاء أن يذهب كما ذهب أصحابه , فأمرته بالمقام لإسلامه , فتنازعا في ذلك حتى تشاتما , فلما قدما المدينة أجتمعا عند رسول الله فذكر عمّار الرجل و ما صنع , فأجاز رسول الله أمان عمار , ونهى يومئذٍ أن يجير أحدُ على أمير , فتشاتما عند رسول الله , فقال خالد: يا رسول الله أيشتمني هذا العبد عندك , أما والله لولاك ما شتمني , فقال نبي الله :A كف يا خالد عن عمار , فإنه من يبغض عماراً يبغضه الله عز وجل@ ثم قام عمار فولى , وأتبعه خالد بن الوليد حتى أخذ بثوبه فلم يزل يترضاه حتى رضي, ونزلت هذه الآية:﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْأمراء السرايا, ﴿ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) [النساء :59] .يقول: خير عاقبة .
وذكر ابن عساكر في Aتاريخه@: عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث قال: وما عتب عليه رسول الله في ذلك , ولقد كان المقُدَمَ حتى مات , ولقد خرج معه بعد ذلك إلى حُنين على مقدمته  وعلى تبوك , وبعثه رسول الله إلى أكيدر دُومة الجندل فسبا من سبا ثم صالحهم , ولقد بعثه رسول الله إلى بلحارث بن كعب إلى نجران أميراً وداعياً إلى الله , ولقد خرج مع رسول الله في حجة الوداع , فلما حلق رسول الله رأسه أعطاه ناصيته , فكانت في مقدم قلنسوته , فكان لا يلقى أحداً إلاَّ هزمه الله تعالى , ولقد قاتل يوم اليرموك فوقعت قلنسوته فجعل يقول : القلنسُوة القلنسوة , فقيل له بعد ذلك : يا أبا سليمان عجباً لطلبك القلنسوة وأنت في حومة القتال؟ قال : إن فيها ناصية النبي ولم ألقَ بها أحداً إلاَّ ولى .
وذكر ابن عساكر في Aتاريخه@: عن ابن إسحاق قال : وسار رسول الله حتى دخل مكة وبعث إلي خالد بن الوليد أن لاتقتلن أحداً , وأتهاه الرسول فقال : إن رسول الله يأمرك بقتل من  لقيت , فٌقتل , وأرسل رسول الله إلى قريش: Aمه أعلبتم؟@ , غلبنا والله , فقال: Aسأقول كما قال أخي يوسف:﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [يوسف :92] . قالوا : وصلتك رحم .
وبعث إلى خالد: Aما حملك على ما صنعت؟@ فقال: أتاني رسولك يأمرني بذلك , فقال للرسول : A ما حملك على ذلك@ , فقال : يا رسول الله أرأيت إن كنت أمرتني أن آمره أن لا يقتل أحداً , فذهب وهمي إلى إن أقول له : أقتل من لقيت لشيء أراده الله , فكف عنه رسول الله .
خالد بن الوليد في يوم حُنين :
وذكر ابن عساكر في Aتاريخه@: عن الزبير بن بكار , حدثني عمي مصُعب بن عبد الله , قال : فكان خالد بن الوليد يوم حُنين في مقدمة رسول الله في بني سُليم , وجُرِحَ فأتاه رسول الله بعد ما هزمت هوزان في رحله فنفث على جراحه فأنطلق فيها وبعثه إلى الغُمَيصْاء (1) وكان  بها قوم من بني كنانة , يقال لهم بنو جذيمه ومعه سُليم فاستبا , فادّعوا الإسلام , فوادهم رسول الله ثم حضر مؤتة , فلما قُتل زيد بن حارثة , وجعفر بن أبي طالب , وعبدالله بن رواحة مال المسلمون إلى خالد , فانحاز بهم:أنتم الفرارون , فشكوا ذلك إلى رسول الله , فقال: Aبل أنتم الكرارون@ , فكف الناس عنهم .
خبر بعثه إلى صنم العُزى لهدمه
قال ابن هشام في A السيرة @ : ثم بعث رسول الله خالد بن الوليد العُزى وكانت بنخلة , وكانت بيتاً يعظمه هذا الحي من قريش , وكنانة ومُضر كلها ,  وكانت سدنتها وحجابها بني شيبان من بني سُليم حلفاء بني هاشم , فلما سمع صاحبها السلمي بمسير خالد إليها , علق عليها سيفه , وأسند في الجبل الذي هو فيه , وهو يقول :
 أيا عُزُّ شدَّي لا شَوىَ لها            على خالد ألقى  القِناعَ وشمري
يا عُزُّ إن لم تقتُلي المرءَ خالداً            فبوئي باثمٍ عاجلٍ أو تنصري
فلما انتهى إليها خالد هدمها , ثم رجع إلى رسول الله .
وذكر ابن عساكر في Aتاريخه@: عن يونس بن بكير , عن يونس بن عمرو , عن العيزار بن حريث ,  قال : مرَّ خالد بن الوليد على اللات والعُزّى , فقال:                        
               كفرانك لا سبحانك            إني رأيتُ الله قد أهانك
ثم مضى .
وذكر الطبري في Aتاريخه@: قال :- أي في سنة ثمان- وفيها هدم خالد بن الوليد العُزّى ببطن نخلة , لخمس ليال بقين من رمضان , وهو صنم لبني شيبان , بطن من سُليم حلفاء بني هاشم , وبنو أسد بن عبد العُزّى , يقولون: هذا صنمنا , فخرج إليه خالد , فقال : قد هدمته , قال : أرأيت شيئاً ؟ قال : لا , قال : فارجع فاهدِمهُ , فرجع خالد إلى الصنم فهدم بيته , وكسر الصنم , فجعل السادنٌ يقول : أعُزي أغضبي بعض غضباتك ,  فخرجت عليه امرأة حبشية عريانة مولولة , فقتلها وأخذ ما فيها من حلية , ثم أتى رسول الله فأخبره بذلك , فقال :  Aتلك العُزّى , ولا تُعبدُ العُزّى أبداً@ .
وعند ابن عساكر في Aتاريخه@: عن قتادة أن النبي بعث خالد بن الوليد إلى العُزّى - وكانت لهوزان , وكانت سدنتها بنو سُليم - فقال: A أنطلق فإنه يخرج عليك امرأة شديدة السواد , طويلة الشعر , عظيمة الثديين قصيرة@ ,  قال:فقالوا يحرضونها :
     يا عُزّ شدّي شدة لا شوى لها               على خالد ألقي الخمار وشمري        
          فإنك إلاَّ تقتل المرء خالداً                      تبوأ بذنب عاجل وتنصري
فشد عليها أبو سليمان خالد فضربها فقتلها , وجاء إلى النبي فقال : A يا خالد ما صنعت؟@ قال: قتلتها , قال: A ذهبت العُزّى فلا عُزّى بعد اليوم @.
وعند ابن عساكر أيضاً : عن عبد الرزاق , أنا معمر , عن قتادة : أن خالد بن الوليد مشى إلى العُزّى ليكسرها بالناس , فقيل له : قيمها يا خالد إنها ما تقوم سبيلها شيء, وإني أخافها عليك , فمشى إليها خالد حتى ضرب أنفها حتى كسرها بالفأس .
وفي رواية أتم عند الواقدي في Aالمغازي@ وقد ذكرها ابن عساكر في Aتاريخه@: أنا محمد بن عمر , حدثني عبد الله بن يزيد يعني الهُذلي , عن سعيد بن عمرو الهُذلي , قال: قدم رسول الله مكة يوم الجمعة لعشر ليالٍ بقين من رمضان , فبث السرايا في كل وجه , وأمرهم أن يغيروا على من لم يكن على الإسلام , فخرج هشام بن العاص في مائتين قيل: يلملم , وخرج خالد بن سعيد بن العاص في ثلاثمائة قبل عُرنَة , وبعث خالد بن الوليد إلى العُزّى يهدمها , فخرج خالد بن الوليد في ثلاثين فارساً من أصحابه حتى انتهى إليها, فهدمها ثم رجع إلى النبي فقال: Aهُدمت@ , قال : نعم يا رسول الله , فقال رسول الله : Aهل رأيت شيئاً؟@  فقال : لا , قال :
Aفإنك لم تهدمها  فارجع إليها فاهدمها@ , فرجع وهو متغيظ , فلما انتهى إليها جرّد سيفه فخرجت إليه امرأة سوداء عريانة ناشرة الرأس , فجعل السادان يصبح بها , قال خالد : وأخذني اقشعرار في ظهري فجعل يصيح :
أعُزّى شدة شُدّى لا تُكَذبـَّـي         أُعزّى فالقي القِناعَ وَشَّمري
 أُعزّى إن لم تقتلي اليومَ خالداً           فبوئي بذنبٍ عاجلٍ وتنصري
قال : وأقبل خالد بالسيف إليها وهو يقول :
كفرانَكَ لا سبحانكِ                إني وجدتُ اللهَ قد أهانَكِ
قال: فضربها بالسيف فجزلها (1) باثنين , ثم رجع إلى رسول الله وأخبره ,  فقال: A نعم تلك العُزّى قد آيست أن تعَبْد ببلادكم أبداً @ , ثم قال خالد : أي رسول الله , الحمد لله الذي أكرمنا بك , وأنقذنا من الهلكة , ولقد كنت أرى أبي يأتي العُزّى بحترة (2) مائة من الإبل والغنم , فيذبحها للعُزّى , ويقيم عندها ثلاثاً , ثم ينصرف إلينا مسروراً , فنظرت إلى ما مات عليه أبي , وذلك الرأي الذي كان يعاش في فضله , كيف خُدع حتى صار يذبح لحجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع , فقال رسول الله :$ إن هذا الأمر إلى الله فمن يسّره للهدى يسَّر , ومن يسر للضلالة كان فيها# , وكان هدمها لخمس ليالٍ بقين من رمضان سنة ثمان , وكان سادنها أفلح بن النضر الشيباني , من بني سُليم , فلما حضرته الوفاة دُخل عليه وهو حزين , فقال له أبو لهب : مالي أراك حزيناً ؟ , قال: أخاف أن تضيع الغُزّى من بعدي .قال أبو لهب : فلا تحزن فأنا أقوم عليها بعدك , فجعل كل من لقي قال : إن تظهر العُزّى كنت قد أتخذت يداً عندها بقيامي عليها , وإن يظهر محُمَّد على العُزّى -ولا أراه يظهر- فأبن أخي , فأنزل الله عز وجل:﴿ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1].
ويقال : إنه قال هذا في اللات .






أخبار خالد بن الوليد على عهد نبي الله ص:

ذكر مسلم في Aصحيحه@ ومالك فيAالموطأ@ : عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف أن عبد الله بن عباس أخبره: أن خالد بن الوليد الذي كان يقال له : سيف الله  أخبره: أنه دخل مع رسول الله على ميمونة زوج النبي , وهي خالتهُ وخالة ابن عباس ,  فوجد عندها ضباً مجنوذاً , قدمت به أخٌتَها حفيَدةُ بنت الحارث من نجد , فقدَّمت الضَّب لرسول الله ﷺ , وكان قلما يُقَدم إليه طعامُ حتى يحُدِث به ويسُمى له , فأهوى رسول الله يدهُ إلى الضَّب , فقالت امرأة من النسوة الحُضور: أخبرن رسُول الله بما قدمتنَّ له , قُلنَ : هوُ الضَّب يا رسول الله ,  فرفع رسول الله يَدهُ , فقال خالد بن الوليد : أحرامُ الضَّب يا رسول الله؟ قال: $ لا ولكَنهُ لم يكن بأرضِ قومي , فأجدني أعَافَهُ # .    
وفي رواية عند مسلم: جاء بنحوه , وفيه : قال خالد : فاجتررتهُ  فأكلتهُ , ورسول الله ينظر.
وذكر الزبير بن بكار في Aنسب قريش للمصعب الزبيري@: قال: قال عمي مُصعب: هاجر- يعني خالداً - بعد الحديبية هو وعمر بن العاص, وعثمان ابن طلحة , فقال رسول الله حين رآهم: $رمتكم مكة بأفلاذ كبدها# , ولم يزل يوليه رسول الله الخيل , ويكون في مقدمته في مهاجرة العرب , وشهد معه فتح مكة , ودخل في مهاجرة العرب في مقدمة رسول الله , ودخل الزبير بن العوام في مقدمة رسول الله من المهاجرين والأنصار من أعلى مكة .
قلت : وهو عند ابن عساكر في تاريخه.
خبر الكائد من الجن
ذكر ابن عساكر في Aتاريخه@:عن هشام بن حسان , عن حفصة بنت سيرين , عن أبي العالية الرياحي: أن خالد بن الوليد قال : يا رسول الله أن كائداً من الجن يكيدني , قال:قل:$أعوُذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهنَّ برٌّ ولا مجٌاهرٌ من شرَّ ما ذرأ في الأرض , ومن شرَّ ما يعرج في السماء وما ينزل منها , ومن شرَّ كل طارقٍ , إلا طارق يطرق بخير يارحمن# قال : ففعلت فأذهبه الله تبارك وتعالى عني .



خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر الصديق(1)ب:
قَالَ أَبوُ الحَسَن الدَّهمَانيَّ غَفَر اللّه لَهُ وِلوَالِدَيْهِ:هي حافلة بالجهاد , فما أن انتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى , بايع المسلمون أبي بكر الصديق t, أفضل المهاجرين وثاني اثنين إذ هما في الغار , وخليفة رسول الله على الصلاة , ولم يكنt يتسلم أمر المسلمين حتى وثب المرتدون من عبس وذبيان على من فيهم من المسلمين فقتلوهم , ولما علم أبو بكرt بفعلتهم حلف ليقتلن في كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة , فعد الجيش ليوم بُزاخة([2]), وجعل على كل لواء أميراً , فعقد لخالد بن الوليد اللواء الأول , وأمره بطليحة بن خويلد , فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح([3]) إن أقام له .
وذكر الواقدي : عن أسامة بن زيد الليثي , عن الزهري , عن حنظلة بن علي الأسلمي , قال: بعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى أهل الردة , وأمره أن يقاتلهم على خمس خصال , فمن ترك واحدة من الخمس قاتله : شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأن محمداً عبده ورسوله , وأقام الصلاة, وإيتاء الزكاة , وصيام شهر رمضان .
قال أسامة : فحَدثت بهذا الحديث زيد بن أسلم , فقال : كن ستاً : وحج البيت .
ذكر وصية أبو بكر الصديق t:
وذكر ابن حُبيش في Aالغزوات @: وعن نافع بن جبير أن أبا بكر حين بعث خالد بن الوليد عهد إليه , وكتب معه هذا الكتاب , وهذه نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم , هذا ما عهد به أبو بكر خليفة رسول الله إلى خالد بن الوليد , حين بعثه فيمن بعثه من المهاجرين والأنصار , ومن معه من غيرهم , لقتال من رجع عن الإسلام بعد رسول الله عهد إليه وأمره  أن يتقي الله ما استطاع في أمره كله , علانيته وسره , أمره بالجدَّ في أمر الله , والمجاهدة لمن تولى عنه إلى غيره , ورجع عن الإسلام إلى الضلالة والجاهلية , وأماني الشيطان , وعهد إليه أن لا يقاتل قوماً حتى يُعذر إليهم, ويدعوهم إلى الإسلام , ويبين لهم الذي عليهم فيه , ويحرص على هداهم , فمن أجابه إلى ما دعاه إليه من الناس كلهّم , أحمرهم وأسودهم قبل منه , وليعذّر إلى من دعاه بالمعروف وبالسيف , فإنما يقاتل من كفر بالله عن الإيمان , فإذا أجاب المدعُو إلى الإيمان وصدق إيمانه لم يكن عليه سبيل , وكان الله حسيبه بعدُ في عمله , ومن لم يحسبه إلى ما دعاه إليه من دعاية الإسلام , ومن رجع عن الإسلام بعد وفاة رسول الله أن يقاتل أولئك بمن معه من المهاجرين والأنصار حيث كانوا , وحيث بلغ بدعائهم ثم يقتل من قدر عليه من أولئك  ولا يقبل من أحدٍ شيئاً دعاه , ثم يقتل من قدر عليه من أولئك , ولا يقبل من أحدٍ شيئاً دعاه إليه , ولا أعطاه إياه إلا الإسلام , والدخول فيه والصَّبر عليه, بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأن محمَّداً عبده ورسوله.   وأمره أن يمضي بمن معه من المسلمين حتى يقدمُ اليمامة , فيبدأ ببني حنيفة ومسيلمة الكذاب , فيدعوهم ويدعوه إلى الإسلام , وينصح لهم في الدين , ويحرص على هداهم , فإن أجابوا إلى ما دعاهم إليه من دعاية الإسلام قبل منهم , وكتب بذلك إليَّ , وأقام بين أظهرهم حتى يأتيهم أمري , وإن هم لم يجيبوا ولم يرجعوا عن كفرهم وأتباع كذابهم على كذبه على الله عز وجل قاتلهم أشّد القتال بنفسه وبمن معه , فإن الله ناصُر دينه ومظهره على الدين كله , كما قضى في كتابه , ولو كره الكافرون , فإن ظهره الله عليهم - إن شاء الله - وأمكنه منهم , فليقتلهم بالسلاح , وليحرقهم بالنار , ولا يسبق منهم أحداً إن قدر على أن لا يستبقيهم , وليقسم أموالهم , وما أفاء الله به عليه وعلى المسلمين بين المسلمين إلا خمسه فليرسل به إليَّ , أضعه حيث أمر الله به أن يوضع إن شاء الله .
وعَهِد إليه أن لا يكون في أصحابه فشلٌ من رأيهم , ولا عَجلةُ عن الحق , ولا يدخل فيهم جنس من الناس حتى يعرفهم ويعرف من هم؟ وعلام اتبعوه وقاتلوا معه؟ فإني أخشى أن يدخل معهم ناس يتعوذون بكم , ليسوا منكم ولا على دينكم , يكونون أعواناً عليكم, وتحفظوا من الناس بمكانهم معكم وأنا أخشى أن يكون ذلك في الإعراب وجُفاتهم , ولا يكون من أولئك في أصحابك أحد إن شاء الله تعالى , وأرفق بالمسلمين في سيرهم ومنازلهم وتفقدهم , ولا تُعجل بعض الناس عن بعض في السير ولا في الارتحال من مكان إلى مكان , واستوص بمن معك من الأنصار خيراً في صحبتهم , ولين القول لهم , فإن فيهم ضيقاً وذعارة ولهم حقُ وفضيلةٌ , وسابقةٌ ووصية ٌ من رسول الله , فا قبل من محُسنهم , وتجاوز عن مُسيئهم كما قال .
وذكر الواقدى بسنده , عن عروةَ بن الزبير قال : جعل أبوبكر يوصى خالد بن الوليد , ويقول : يا خالد , عليك بتقوى الله , والرفق بمن معك من رعيتك , فإن معك أصحاب رسول الله , أهل السابقة من المهاجرين والأنصار فشاورهم فيما نزل بك ثم لا تخالفهم ,وقدَّم أمامك الطلائع ترتاد لك المنازل , وسَر في أصحابك على تعبية جيدة , فإذا لقيت أسداً وغطفان , فبعضهم لك وبعضهم لا عليك ولا لك , ومتربصُ بك دائرة السوء , ينظر : لمن تكون الدبرة فيميل مع من تكونُ له الغُلبة , ولكن الخوف عندي أهل اليمامة , فاستعن بالله على قتالهم , فإنه بلغني أنهم رجعوا بأسرهم , فإن كفاك الله  الضاحية فأمضِ إلى أهل اليمامة , فإنك تلقى عدواً  كلهم عليك ,لهم بلاد منكرة ولا تؤتى إلا من مفازة , فأرفُق بجيشك في تلك المفازة , فإن في جيشك قوماً أهل ضعف ,  أرجو أن تنُصر بهم حتى تدخل بلادهم إن شاء الله تعالى , فإذا دخلت بلادهم فالحذر الحذر إذا لقيت فقاتلهم بالسلاح الذي يقاتلونك به , السهمُ للسهم , والرمحُ للرمح , والسيفُ للسيف , فإن أعطاك الله عليهم الظفر فأقِل البقيا عليهم إن شاء الله تعالى .
وإياك أن تلقاني غداً بما يضيق صدري به منك , اسمع عهدي ووصيتي: لا تُغيرنَّ على دار سمعت أذاناً حتى تعلم ما هم عليه , إياك وقتل من صلى , واعلم يا خالد أن الله يعلم من سريرتك ما يعلم من علانيتك ,  واعلم أن رعتيك إنما تعمل بما تراك تعمل , كٌف عليك إطرافكَ , وتعاهد جيشك , وأنههم عما لا يصلح لهم , فإنما تقاتلون من تقاتلون بأعمالكم , وبها نرجوا لكم النصرَ على أعدائكم سِر على بركة الله تعالى (1)



خبر مسير خالد إلى بُزاخة وغيرها :
 ذكر الطبري في Aتاريخه@:عن القاسم بن محمد , وبدر بن الخليل , وهشام بن عروة , قالوا : لما أزرت عبس وذُبيان ولفها إلى بزاخة  أرسل طليحة إلى جديلة والغوث أن ينُضموا إليه , فتعجل إليه أناس من الحيين , وأمروا قومهم باللحاق بهم , فقدموا على طليحة , وبعث أبو بكر عَدِياً قبل  توجيه خالد بن الوليد من ذي القصة إلى قومه , وقال : أدركهُم لا يؤكلوُا , فخرج إليهم فقتلهم في الذروة والغارب , وخرج خالد في أثره , وأمره أبو بكر أن يبدأ بطيء على الأكناف , ثم يكون وجهه إلى البُزاخة , ثم بثلث بالبُطاح , ولا يريم إذا فرغ من قوم حتى يحدَّث إليه , ويأمره بذلك .
وأظهر أبو بكر أنه خارج إلى خيبر , ومنَصبّ عليه منها حتى يلاقيه بالأكناف, أكناف سلمى , فخرج خالد فازوارَّ عن البُزاخة , وجَنح إلى أجأ , وأظهر أنه خارج إلى خيبر , ثم منَصبّ , فقعَّد ذلك طيئاً وبطأهم عن طليحة, وقدم عليهم عَديَّ , فدعاهم فقالوا : لا نبايع أبا الفَصِيل أبداً , فقال : لقد أتاكم قوم ليُبيحنّ حريمكم , ولتٌكنُنَّه بالفحل الأكبر , فشأنكم به.فقالوا له : فاستقبل الجيش فنهنهه عنا حتى تستخرج من لحق بالبزاخة منا , فإنا إن خالفنا طُليحة وهم في يديه قتلهم , أو أرتنهم , فاستقبل عَديَّ خالداً وهو بالسُنح , فقال : يا خالد, أمِسك عني ثلاثا يجتمع لك خمسمائة مقاتل تضرب بهم عدوك , وذلك خير من أن تعُجلهم إلى النار , وتشاغل بهم , ففعل.
فعاد عَديَّ إليهم وقد أرسلوا إخوانهم , فأتوهم من بزُاخة كالمدد لهم ,  ولولا ذلك لم يٌتركوا , فعاد عَديَّ بإسلامهم إلى خالد , وأرتحل خالد نحو الانسُر يريد جديلة , فقال له عَديَّ : إن طيئاً كالطائر , وإن جديلة أحدُ جناحي طيئ, فأجلني أياماً لعل الله أن ينقذ جديله كما انتقذ الغوث , ففعل ,  فأتاهم عَديَّ فلم يزل بهم حتى بايعوه , فجاءه بإسلامهم , ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب ,  فكان خير مولود ولد في أرض طيئ , وأعظمه عليهم بركة .
قال ابن جرير : وأما هشام بن الكلبي , فإنه زعم أن أبابكر لما رجع إليه أسامة ومن معه من الجيش , جَدَّ في حرب أهل الردة , وخرج بالناس وهو فيهم حتى نزل بذي القصة , منزلاً من المدينة على بريد من نحو نجد , فعبى هنالك جنوده , ثم بعث خالد بن الوليد على الناس , وجعل ثابت بن قيس على الأنصار , وأمره إلى خالد , وأمره أن يصمد لطليحة وعينية بن حصن , وهما على بُزاخة , ماء من مياه بني أسد , وأظهر أني ألاقيك بمن معي من نحو خيبر , مكيدة , وقد أرعب مع خالد الناس , ولكنه أراد أن يبلغ ذلك عدّوه فيرعبهم.
ثم رجع إلى المدينة , وسار خالد بن الوليد حتى إذا دنا من القوم بعث عُكاشة بن مُحصن , وثابت بن أقرم - أحد بني العجلان حليفاً للأنصار- , ضيعة , حتى إذا دنوا من القوم خرج طليحة وأخوه سلمة , ينظران ويسألان : فأما سلمة فلم يمهل ثابتاً أن قتله , ونادى طليحة أخاه حين رأى أن فرغ من صاحبه أن أعني على الرجل , فإنه آكل , فاعتوَنا عليه فقتلاه ثم رجعا , وأقبل خالد بالناس حتى مرو بثابت بن أقرم قتيلاً , فلم يفطنوا له حتى وطئته المطيٌ بأخفافها , فكبر ذلك على المسلمين , ثم نظروا فإذا هم بعُكاشه بن محصن صريعاً , فجزع لذلك المسلمون , وقالوا : قتل سيَّدان من سادات المسلمين , فارسان من فرسانهم , فانصرف خالد نحو طيئ.
قال هشام :قال أبو مخنف: فحدثني سعد بن مجاهد ,  عن المحِلَ بن خليفة , عن عَديَّ بن حاتم , قال: بعثتُ إلى خالد بن الوليد أن سَّر إليَّ فأقم عندي أياماً حتى أبعث إلى قبائل طيئ , فأجمع لك منهم أكثر ممن معك ,  ثم أصحبك إلى عدوك , قال : فسار إليَّ .
قال هشام : قال أبو مخنف : حدثنا عبد السلام بن سُويد أن بعض الأنصار حدّثه أن خالد لما رأى ما بأصحابه من الجزع عند مقتل ثابت وعكاشة , قال لهم: هل لكم إلى أن أميل بكم إلى حيَّ من أحياء العرب , كثير عددهم , شديدة شوكتهم , لم يرتدّ منهم عن الإسلام أحداً , فقال له الناس : ومن هذا الحي الذي تعني؟ فنعم والله الحي هو , قال لهم : طيئ , فقالوا : وفقك الله نعم الرأي رأيت , فانصرف بهم حتى نزل بالجيش في طيئ .
قال هشام : حدثني جديل بن خباب البنهاني من بني عمرو بن أبٌي : أن خالداً جاء حتى نزل على أرُك فدينة سلمى .
قال هشام : قال أبو مخنف : حدثني إسحاق : أنه نزل بأجأ , ثم تعبى لحربه , ثم سار حتى التقيا على بُزاخة , وبنو عامر على سادتهم وقادتهم قريباً يستمعون ويتربصون على من تكون الدبرة .
قال هشام عن أبي مخنف : حدثني سعد بن مجاهد , أنه سمع أشياخاً من قومه يقولون : سألنا خالداً أن نكفيه قيساً فإن بني أسد حلفاؤنا , فقال : والله ما قيس بأوهن الشوكتين , اصمدُوا إلى أي القبلتين أحببتم , فقال عدي : لو ترك هذا الدين أسرتي الأدنى فالأدنى من قومي لجاهدتم عليه , فأنا أمتنع من جهاد بني أسد لجلفهم , ولا لعُمر الله لا أفعل , فقال له خالد : إن جهاد الطريقين جهادُ , لا تخالف رأي أصحابك , أمض إ لى أحد الفريقين , وأمضِ بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط .
قال هشام  عن أبي مخنف : فحدثني عبد السلام بن سويد , أن خيل طييء كانت تلقى خيل بني أسد وفزارة قبل قُدوم خالد عليه فيتشامّون ولا يقتتلون, فتقول أسد وفزارة : لا والله لا نبايع أبا الفِصيل أبداً , فتقول لهم خيل طيئ : أشهد ليقاتلنكم حتى تكنوه أبا الفحل الأكبر.
وعن محمد بن إسحاق , عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركٌانة , عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة , قال: حُدثت أن الناس لما اقتتلوا , قاتل عٌيينة مع طليحة في سبعمائة من بني فزارة قتالاً شديداً , وطليحة متلفف في كساء له بفناء بيت له من شعر , يتنبأ لهم , والناس يقتتلون , فلما هَّزت عُيينة الحرب وضرسَ القتال , كرَّ على طليحة , فقال : هل جاءك جبريل بعد؟ قال : لا , قال : فرجع فقاتل حتى إذا ضرس القتال وهزته الحرب كرَّ عليه , فقال : لا أبا لك أجاءك جبريل بعد؟ قال : نعم , قال : فماذا قال لك؟ قال : قال لي : إن لك رحا كرحَاه , وحديثاً لا تنساه , قال : يقول : عٌيينة : أظن أن قد علم الله أنه سيكون حديث لا تنساه , يابني فزارة هكذا , فانصرفوا فهذا والله كذاب , فانصرفوا وانهزم الناس فغشوُا طليحة يقولون : ماذا تأمرنا ؟ وقد كان أعد فرسه عنده , وهيّأ بعيراً لامرأته النوار ,  فلما أن غشوه يقولون : ماذا تأمرنا؟ قام فوثب على فرسه , وحمل امرأته ثم نجا بها , وقال : من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله فليفعل , ثم سلك الحوشيّة حتى لحق بالشام وارفض جمعه , وقتل الله من قتل منهم , وبنو عامر قريباً منهم على قادتهم وسادتهم , وتلك القبائل من سُليم وهوزان على تلك الحال , فلما أوقع الله بطليحة وفزارة ما أوقع أقبل أولئك يقولون : ندخل فيما خرجنا منه, ونؤمن بالله ورسوله ، ونُسلم لحُكمه في أموالنا وأنفسنا (1)

قلت: وكان طليحة هذا ممن أرتد في حياة نبي الله , بل وأدعى النبوة .
وذكر الواقدي: قالوا: وسار خالد بن الوليد ومعه عدي بن حاتم , وقد انضم إليه من طيئ ألف رجل , فنزل بزاخة .
وكانت جديلة  معترضة ً عن الإسلام , وهي بطن من طيئ , وكان عدي بن حاتم من الغوث , وقد همت جديلة أن ترتد , ونزلت ناحيةً فجاءهم مكنف بن زيد الخيل الطائي , فقال: أتريدون أن تكونوا سُبةً على قومكم , ألم يرجع رجل واحد من طيئ , وهذا أبو طريف ٍ عدي بن حاتم , معه ألف رجل من طيئ فكسرهم .
فلما نزل خالد بن الوليد t بزاخة , قال خالد بن الوليد لعدي بن حاتم: يا أبا طريف , ألا نسير إلى جديلة , فقال: يا أبا سليمان , لا تفعل , أقاتل معك بيدين أحبٌّ إليك أم بيد واحدة , فقال خالد : بل بيدين , فقال عدي t : فإن جديلة إحدى يديَّ .
قال: فكف خالد بن الوليد عنهم , فجاءهم عدي بن حاتم , فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا , فحمد الله تعالى , فسار بهم إلى خالد بن الوليد t , فلما رآهم خالد فزع منهم , وظن أنهم أتوا للقتال , فصار في أصحابه بالسلاح فقيل له : إنما هي جديلة , أتت تقاتل معك , فلما جاءوا وأحلوا ناحية , وجاء خالد فرحب بهم , وفرح بهم , واعتذروا إليه من اعتزالهم , وقالوا : نحن لك حيث أحببت , فجزاهم خيراً , فلم يرتد من طيئ رجل واحد .
فسار خالد بن الوليد على تعبيته , فقال عدي بن حاتم : أجعل قومي مقدمة أصحابك , فقال خالد : يا أبا طريف إن الأمر قد أقترب ونجم , وأنا أخاف أن تقدم قومك فإذا لحمهم القتال أنكشفوا فانكشف من معنا , ولكن دعني أقدم قوماً صُبراً لهم سوابق ونيات وهم من قومك , قال عدي بن حاتم : الرأي الذي رأيت , فقدم المهاجرين والأنصار. وكان خالد بن الوليد يقدم طليعته من خرجوا من بقعاء حتى قدم اليمامة , وأمر عيونه أن يختبروا كل من مروا به عند مواقيت الصلاة , أن يؤذنوا بالصلاة , فيكون ذلك لهم أماناً ودليلا على إسلامهم.
خالد بن الوليد يدعو طليحة للإسلام :
قال : وانتهى خالد بن الوليد والمسلمون إلى عسكر طليحة , وقد ضُربت لطليحة قبة من أدم , وأصحابه حوله معسكرون , فانتهى خالد ممسياً , فضرب عسكره على ميل أو نحوه من عسكر طليحة , وخرج يسير على فرس معه نفر من أصحاب النبي , فوقف من عسكر طليحة غير بعيد , ثم قال: يخرج إليّ طليحة , فقال أصحابه :- يعني أصحاب طليحة الكذاب - : لا تُصغر أسم نبينا وهو طلحة , فخرج طليحةُ فوقف , فقال له خالد : إن من عهدنا خليفتنا إلينا أن ندعوك إلى الله وحده , لا شريك له , وأن محمداً عبده ورسوله , وأن تعود إلى ما خرجت منه , فنقبل منك , وتُغمد سيوفنا عنك , فقال : يا خالد أنا اشهد أن لا إله إلا الله , وإني رسول الله , وأني نبي مرسل يأتيني ذو النون كما كان جبريل يأتي محمداً , وقد كان تنبأ في عهد النبي وأدعى أن ذا النون ملك يأتيه , فقال النبي : $ لقد ذكر ملكاَ عظيماًَ في السماء , يُقال له: ذو النون # (1)
وذكر أهل السير : ارتد طُليحة في حياة رسول الله , فأدعى النبوة , فوجه النبي ضرار بن الازور إلى عماله علي بني أسد في ذلك , وأمر بالقيام في ذلك على كل من ارتد فأشجوا طليحة وأخافوه , ونزل المسلمون بواردات ونزل المشركون بسميراء , فما زال المسلمون في نماء والمشركون في نقصان , حتى هم ضرار بالمسير إلى طليحة فلم يبق أحد إلا أخذه سلماً , إلا ضربه كان ضربها بالجُراز , فنبأ عنه , فشاعت في الناس , فأتى المسلمون وهم على ذلك بخبر موت نبيهم , وقال ناس من الناس لتلك الضربة: إن السلاح لا يُحيك في طليحة , فما أمسى المسلمون من ذلك اليوم حتى عرفوا النقصان وارفض الناس إلى طليحة واستطار أمره . (1)
دجل طليحة
قال الواقدي : وقد كان عيينة بن حصن قال له : لا أبا لك , هل أنت مرينا بعض نبوتك , فقد رأيت ورأينا معك ما كان يأتي محمداً- -, قال : نعم , فبعث عيوناً له حيث سار خالد بن الوليد من المدينة مقبلاً إليه , ولم يسمع بذكر خالد حينئذٍ وقال : إن بعثتم فارسين على فرسين أغرين , مُحجلين , من بني نصر بن قٌعين , أتوكم من القوم بعين , فهيئوا فارسين فبعثوهما , فخرجا يركضان , فلقيا عيناً لخالد بن الوليد , فقالا : ماوراءك , فقال : هذا خالد بن الوليد في المسلمين , وقد أقبلوا فأتوا به إليه , فزادهم فتنة , وقال : ألم أقل لكم ؟.
عودة خالد إلى معسكره بعد دعوة طليحة إلى الإسلام :
  فلما أبى طليحة على خالد أن يقر بما دعاه إليه انصرف خالد إلى معسكره , فاستعمل تلك الليلة على حرسه , مكنف بن زيد الخيل , وعدي بن حاتم , وكان لهما صدق نية ودين , فباتا يحرسان في جماعة من المسلمين , فلما كان في السحر نهض خالد فعبأ أصحابه , ووضع ألويته مواضعها ودفع لواءه الأعظم إلى زيد بن الخطاب فتقدم به , وتقدم ثابت بن قيس , بلواء الأنصار وطلبت طيئ لواءً يعقد لها , فعقد خالد لواءً ودفعه إلى عدي بن حاتم , وميمنة وميسرة .



المواجهة
فلما سمع طليحة حركة القوم عّبأ أصحابه , وجعل خالد يسوي الصفوف على رجليه , وطليحة يسوي أصحابه على راحته , حتى إذا استوت الصفوف زُحف خالد بهم حتى دنا من طليحة , فلما انتهى إليه خرج إليه طليحة بأربعين غلاماً جلداً من جنده جُرداً مُرداً , فأقامهم في الميمنة , فقال : اضربوا حتى تأتوا الميسرة , فتضعضع الناس , ولم يُقتل أحدُ , ثم أقامهم في الميسرة ففعلوا مثل ذلك , وانهزم المسلمون .
بطولة خالد بن الوليدt

قال الواقدي: وحُدثت عن رجل , عن أبيه , عن رجل من هوزان - حضر انهزام الناس يومئذٍ- قال : انكشف ميمنة خالد , ثم الميسرة , وقال خالد : يا معشر الأنصار , الله , الله , واقتحم خالد بن الوليد وسط القوم , وكرَّ عليه أصحابه , فاختلطت الصفوف , واختلفت السيوفُ بينهم ,  وضرسَ خالد في القتال , فجعل يُقحم عن فرسه , ويقولون : الله , الله , فإنك أمير القوم , ولا ينبغي لك أن تقدم , فيقول : والله إني لأعرف ما تقولون , ولكني والله ما رأيتني أصبر وأخاف هزيمة المسلمون .
ومن حديث محمد بن السائب الكلبي , عن خميصة بن الشمردل: أن طليحة أخذ من جنده أربعين غلاماً شباباً مُرداً , فأقامهم في الميمنة وقال : أضربوا حتى تأتوا الميسرة , ففعلوا , فكشفوا الناس , ولم يقُتل فيهم أحد , ثم أقاموا في الميسرة , فقال : أضربوا حتى تأتوا الميمنة , ففعلوا , ولم يُقتل منهم أحد, وانهزم المسلمون .
قتال خالد بسيفين:
قال الكلبي : فحدثني عبد الله بن سالم العلائي , عن أبيه قال : نادى منادٍ من طيئ : ياخالد عليك سلمى وأجأ , قال : فقال : بل إلى الله الملجأ , قال : ثم حمل , قال: فوالله ما رجع حتى لم يبقَ من أولئك الأربعين رجل واحد , وقاتل خالد يومئذٍ بسيفين حتى قطعهما , وترادَّ الناسٌ بعد الهزيمة , وأشتد القتال .
وأسُر حبال بن أبي حبال , فأرادوا أن يبعثوا به إلى أبي بكر , فقال : اضربوا عنقي , ولا ترُوني محمدِيكم هذا , فضربوا عنقه .
ابن عمر يصف بطولة خالد في المعركة
وذكر الواقدي : عن عبد الله بن عمربقال : نظرت إلى راية طليحة يومئذٍ حمراء يحملها رجلُ منهم , لا يزول بها فِتراً , فنظرتُ إلى خالد أتاه فحمل عليه فقتله , فكانت هزيمتهم , فنظرت إلى الراية تطؤها الإبل والخيل والرجال حتى تقطعت . وفيه أن ابن عمرب قال : يرحم الله خالد بن الوليد لقد كان له غناء وجزاء , ولقد رأيته يوم طليحة يباشر الحرب بنفسه حتى ليِمَ في ذلك , ولقد رأيته يوم اليمامة يقاتل أشد القتال , إن كان مكانه ليتقي , حتى يطلع إلينا منبهراً .
طليحة الكذاب وزعم الوحي
وفيه قال : لما تراجع المسلمون , وضرسَ القتال , تزمل طليحة بكساء له ينتظر , زعم أن ينزل عليه الوحي , فلما طال ذلك على أصحابه , وهدتهم الحرب , وضرسَ القتال , جعل عينيةُ بن حصن يقاتل ويذمر الناس , حتى إذا ألح المسلمون عليهم بالسيف , وقد صبروا لهم , قال عينية : هل جاء بعد؟قال : يقول طليحة- وهو تحت الكساء- : لا والله ما جاء بعد .فقال عينية : تباً لك آخر اليوم . ثم رجع عينية وقاتل , وجعل يحث أصحابه وقد ضجوا من وقع السيوف , فلما طال ذلك على عينية جاء طليحة وهو مستلقٍ مُسجى بكسائه , فجبذه جبذة جلس منها , وقال له : قبح الله هذه من نبوة , فجلس طليحة , وقال له عينية : ما قيل بعدُ شيء , فقال طليحة:قد قيل لي: إن لك رحاً كرحاه , وأمراً لن تنساه , فقال له عينية : أظن قد علم الله أن سيكون لك أمراً لن تنساه يافزارة , هكذا , وأشار لها تحت الشمس.
هذا والله كذاب ما بوُرك له , ولا لنا فيما يطالب , فانصرفت فزارة , وذهب عينية وأخوه في آثارها فيدرك عينية فأسِر , وأفلت أخوه , وأسِر المسلمون أسرى كثيرة .
فرار طليحة بعد الهزيمة :
وعن محمد بن إبراهيم بن طلحة  قال : لما رأى طليحة أن الناس يُقتلون ويؤسرون خرج منهزماً , وأسلمه الشيطان فأعجزهم , هو وأخوه فجعل أصحابه يقولون لطليحة: ماذا تأمرنا ؟ وقد أعدَّ فرسه عنده وهيأ امرأته النوار عنده , فوثب على فرسه , وحمل امرأته وراءه فنجا بها , وقال : من استطاع منكم أن يفعل كما فعلت فليفعل , ولينج بأهله , قال : ثم هرب حتى قدم الشام , فأقام عند جفنة الغسانيين.
وفي كتاب يعقوب بن محمد الزهري : فلما رأى طليحة انهزام أصحابه قال : ويلكم , ما يهزمكم؟ قال رجل من أصحابه : أنا أخبرك ما يهزمنا , أنه ليس منا رجل إلا وهو يحب أن يموت صاحبه قبله , إنا نلقي قوماً كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه .



عكاشة بن محصن وثابت بن أقرمب يتبعان طليحة :
قال ابن إسحاق في كتاب يحيى بن سعيد الأموي : وحدثنا أن طليحة لما ولى هارباً تبعه عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم ب وقد كان طليحة أعطي الله عهداً : ان لا يسأله أحد النزول إلا فعل , فلما أدبر ناداه عكاشة : ياطليحة, فعطف عليه فقتل عكاشة t , ثم أدركه ثابت بن أقرم فقتل أيضاً , ثم لحق بالشام , وقد قيل في قتل طليحة عكاشة وثابت بن أقرم  غيرُ هذا , وهو ما ذكره الواقدي بسنده عن عيسى بن عميلة الفزاري عن أبيه - وكان عالماً بردتهم -  قال : خرج خالد بن الوليد على الناس يعترضهم , فكلما سمع أذاناً بوقت كَفّ , إذا لم يسمع أذاناً أغار عليهم , فلما دنا خالد بن الوليد من القوم بعث عكاشة بن محصن , وثابت بن أقرم طليعةً أمامه , يأتيانه بالخبر , وكانا فارسين , وعكاشة على فرس له يقال له : الرزام , وثابت بن أقرم على فرس يقال له : المحّبر , فلقيا طليحة وأخاه سلمه ابني خويلد- طليعة لمن وراءهم من الناس , وخلفوا عسكرهم من ورائهم , واستعمل طليحة على عسكره : عينية بن حُصن , وجعل خارجة بن حصن على العسكر , وطاف به , فلما التقوا , انفرد طليحة بعكاشة , وسلمة بثابت بن أقرم , ولم يلبث سلمة أن قتل ثابت , وصرخ طليحة بسلمة : أعني على الرجل فإنه قاتلي , فكر سلمة معه على عكاشة فقتلاه رحمه الله , ثم كرا راجعين إلى من وراءهما  , وأقبل خالدُ معه المسلمون , فلم يَرعُهم إلاَّ ثابت بن أقرم قتيلاً , تطؤهُ المطيّ فعظم ذلك على المسلمين , ثم لم يسيروا إلاَّ يسيراً حتى وطئوا عكاشة قتيلاً , فثقُل القوم على المطي , كما وصف واصفهم حتى ما تكاد المطيّ ترفع اخفافها .
وفي كتاب الزهري : ثم لحقوا أصحاب طليحة , فقتلوا وأسروا , وفيه أيضاً , قالوا : فعلقهم المسلمون قتلاً وأسراً , وأسَر عينية بن حصن , أسره عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي , فأراد خالد قتله , حتى كلمه فيه رجل من بني مخزوم , فترك قتله.
وصاح خالد:لا يطبخنَّ رجل قدراً , ولا يسخننَّ ماء إلاَّ على أثفية (1) رأس رجل, وتظلف رجل من بني أسد , يقال له : الأباء بن قيس , فوثب على عجز راحلة خالد بن الوليد وهو يقول :
                  لن يخُزيَ الله قوماً أنت قائُدهم
                                                         يا بن الوليد ولن تشقى بك الدُبر
                 كفَّاك كفُ عقابِ عند سطوتها
                                                                    على العدو وكف بَرةُ غَفُر
أنشدك الله أن يكونَ هلاكُ مضَرَ اليوم على يدك , قال: من أنت؟ ويحك ,قال: أنا الأباءُ بن قيس يا خالد , حلمك في بني أسد ؟ قال : حكمي فيهم : أن يقيموا الصلاة , ثم يؤتوا الزكاة , ثم يرجعوا إلى بلادهم , فمن كان له بها مال فليغمده , وليُسلِم عليه فهو له .
فأقروا بذلك , فنادى خالد : من قام فهو آمن , فقام الناس كلهم , وسمعت بذلك بنو عامر فأعلنوا بالإسلام .
خالد بن الوليد وحرقه المرتدين :
وأمر خالد بالحظائر أن تُبنى , ثم أوقد فيها النار, ثم أمر  بالاسارى , فلقيت فيها , وألقى يومئذٍ : حامية بن سٌبيع بن الحسحاس الاسدي.
وأخذ أم طليحة - إحدى نساء بني أسد - فُعرض عليها الإسلام فأبت , ووثبت فاقتحمت النار , وهي تقول :
يا موتُ عِم صباحاً                  كافحته كفاحاً
إذ لم أجد رواحاً
وقال الواقدي : قالوا لما هرب طُليحة , وانقطعت الحرب ببزاخة , وأسر المسلمون  منهم أسرى , فهمُ في أيدي المسلمين , أمر خالد بن الوليد بالأخدود يحضر , فقيل : ما تريد بهذا الأخدود ؟ قال : أحرقهم بالنار , فكٌلم في ذلك , فقال : هذا عهد الصديق أبي بكر إليَّ , أقروه في كل مجمع : Aإن أظفرك الله بهم فاحرقهم بالنار @ .
وعن يعقوب بن زيد بن طلحة قال : جمعهم خالد بن الوليد في الحظائر ثم أضرمها عليهم فاحترقوا وهم أحياء , لم يحُرق واحدُ من بني فزارة , فقلتُ لبعضُ أهل العلم : ولِمَ حرق هؤلاء بين أهل الردة , قال: كان بلغه مقالة سيئة عنهم : شتموا النبي , وثبتوا على ردتهم .
وعن المنذر بن جهم قال : أصاب خالد بن الوليد في عسكرهم رثةً وإبلاً وحُمراً وسلاحاً , وبث السرايا على إثرهم فجاءوا بخيل من  خيلهم , وإبلٍ من أبلهم , ووجدوا ربضةً من غنم قريبة ففرقها في أصحابه فأكلوا , وفرق بين أصحابه ما غنم من عسكرهم .
وعن ابن عمر قال : شهدتُ بزاخة , فظفرنا الله على طليحة , وكنا كلما أغرنا على القوم سبينا الذراري , واقتسمنا أموالهم. 
 قال الواقدي: قالوا: ولما أوقع الله ببني أسد وفزارة ما أوقع ببزاخة , بث خالد بن الوليد السرايا ليصيبوا ماقدروا عليه ممن هو على ردته , وجعلت العرب تسير إلى خالد بن الوليد راغبين في الإسلام , أو خائفين من السيف , فمنهم من أصابه السرية  , فيقول : جئتُ راغباً في الإسلام , وقد رجعتُ إلى ما خرجت منه , ومنهم من يقول : مارجعنا ولكن منعنا أموالنا , وشححنا عليها , فقد سلمناها فليأخذ منها حقه , ومنهم من لم يظفر به السرايا فانتهى إلى خالد بن الوليد مُقراً بالإسلام , ومنهم من مضى إلى أبي بكر الصديق ولم يقر به خالد بن الوليد .
خبر قرة بن هبيرة:
قال الواقدي : فاختلفوا علينا في قُرة بن هبيرة القشيري , فقال قائل : هرب إلى أبي بكر وأسلم عنده , وقال قائل : أخذته خيلُ خالد بن الوليد فأتت به إليه , ومنهم من قال : جاء إلى خالد بن الوليد شارداً , حين جاءت بنو عامر واجتمعت إلى خالد , قال: وهو اثبت عندنا .                                             
وعن عيسى بن عميلة الفزاري , عن أبيه قال : لما جاءت بنو عامر إلى خالد بن الوليد , ولم تكن ارتدت , ولم تنصب وقد كانت وقفت تتصنع , كما فعلت طيئ , ولكنها قدمت رجلاً وأخرت أخرى , فلما اجتمعت عند خالد بن الوليد , قال خالد : أين قُرة بن هبيرة القشري , قال : هأنذا , قال : قدمه فاضرب عنقه  ، وقال : أنت المتكلم لعمرو بن العاص بما تكلمت به ؟ , وأنت المتربص بالمسلمين الدوائر ولم تٌنصر , وقلت : إن كانت الدائرة على المسلمين فمالي بيدي , وجمعت قومك ولم تكن بأهل أن ترأس ولا تُطاع , قال: يا ابن المغيرة  , إن لي عند عمرو بن العاص شهادة , فقال خالد بن الوليد : عمرو بن العاص الذي نقل عنك إلى الخليفة ما تكلمت به.           قلت : ويروى أن عمرو بن العاص t جعل يقول : يا أبا سليمان لا يُفلت منك قرة بن هبيرة , وذلك حين وجه أبي بكر الصديق t خالداً لمحاربة المرتدين .
عن ابن عباس قال : لما اجتمعت بنو عامر عند خالد بن الوليد , جعل تعقد عليهم الإيمان : عليكم عهد الله وميثاقه لتؤمنن بالله ورسوله , ولتُقيمن الصلاة , ولتؤتن الزكاة , تبايعون على ذلك أبناءكم ونساءكم آناء الليل وآناء النهار.قالوا : نعم , حتى إذا فرغ من بيعتهم أوثق عينية بن حصن , وقرة بن هبيرة .
قال ابن عباس : فقدم بهما المدينة في وثاق , فنظرتُ إلى عينية مجموعة يداه إلى عنقه بحبل, ينخسه غلمان المدينة بالجريد , ويضربونه ويقولون أي عدو الله : أكفرت بالله بعد إيمانك , فيقول : والله ما كنتُ آمنت بالله.    
قالوا : ووقف عليه عبد الله بن مسعود , فقال : خبت وخسرت , إنك لموٌضع في الباطل قديماً , فقال عينية : أقصر أيها الرجل فلولا ما أنا فيه لم تكلمني بما تكلمني به ,  فانصرف ابن مسعود .
 فلما صنع الله بأهل بزاخة ما صنع , عمد خالد إلى جبلي طيئ , فأتته عامر وغطفان يدخلون في الإسلام , ويسألونه الأمان على مياههم وبلادهم , واظهروا التوبة , وأقاموا الصلاة , وأقروا بالزكاة , فأمنهم خالد , وأخذ عليهم العهود والمواثيق : لتبايعن على ذلك أبنائكم ونساءكم آناء الليل والنهار , فقالوا : نعم ، نعم.
عود إلى خبر خالد وقرة بن هبيرة
وأخذ خالد قرة فأراد قتله , وقال : هذا مال لك عمرو سيأتيك في فحش أمك . فقال له قُرة : يا أبا سليمان قد أجرُته فأحسنت جواره , وأنا مسلم لم أرتد , فقال له : لولا ما تذكر لضربت عنقك , ولكن لابد أن أبعث بك في وثاق إلى أبي بكر , فيرى فيك رأيه.
بعثه إلى أبي بكر الصديق t
فبعث به إلى أبي بكر , فقال قرة : يا خليفة رسول الله , إني قد كنت مسلماً , ولي عند عمرو بن العاص شهادة , قدم فأكرمته , وقرُيِته , ومنعته .
فدعا أبوبكر عمرواً فقال : ما تعلم من هذا ؟ فأقص قصته , حتى لما بلغ الصرفة , قال قرة : حسبك , قال : لا والله حتى أبلغ كلامك كما قلت . فتجاوز أبو بكر عن دمه , وهرب علقمة .
وعن ابن سيرين قال : بعث أبو بكر إلى ابنة علقمة وامرأته ليأخذهما , فقالت : ومالي ولأبي بكر؟ إن كان علقمة قد كفر , فإني لم أكفر.
قال : ثم رجع علقمة زمان عمر مسلماً فردَ إليه زوجته .
فلما فرغ خالد من بزاخة , وعامر , ومن يليها من غطفان عمد إلى بلاد تميم يؤمُ اليمامة.
وعن الواقدي : عن عيسى بن عميلة الفزاري , عن أبيه قال : لما جاءت بنو عامر وغيرهم من أهل الردة خالداً فبايعوه على الإسلام , أخذ ما ظهر من سلاحهم , واستخلفهم على ما غيبوا عنه , فإن حلفوا تركهم , وإن أبوا شدهم أسراً , حتى أتوا ما عندهم من السلاح , فأخذ منهم سلاحاً كثيراً , فأعطاه أقواماً يحتاجون إليه في قتال عدوهم , كتبه عليهم فلقوا العدو به , ثم ردوه بعد , فقدم به على أبي بكر t.
خبر قدوم خالد إلى بني تميم واليمامة
وقال الواقدي بسنده عن محمود بن لبيد قال : لما قدم خالد بن الوليد بزاخة أظهر أن أبا بكر عهد إليه أن يسير إلى أرض بني تميم وإلى اليمامة , فقال ثابت بن قيس الأنصاري - وهو على الأنصار , وخالد على جماعة المسلمين : ما عهد إلينا ذلك , وما نحن بسائرين .
قالوا : وقال ثابت بن قيس : وليست بنا قوة , وقد كل المسلمون وعجف كراعهم .
قال محمد بن لبيد : قال خالد بن الوليد : أما فلستُ بمستكره أحداً منكم , فإن شئتم فسيروا , وإن شئتم فأقيموا .
فسار خالد بن الوليد ومن معه من المهاجرين والعرب عامداً لأرض بني تميم واليمامة , وأقامت الأنصار يوماً , ثم تلاومت فيما بينهما , وقالوا : والله ما صنعنا شيئاً , والله لئن أصيب القومُ ليقولن : خذلتموهم وأسلمتموهم , وأنها لسُبةُ باقٍ عارهُا بآخر الدهر , ولئن أصابوا خيراً وفتح الله فتحاً , إنه لخيرُ فنعتموه , فابعثوا إلى خالد يقيم لكم حتى تلحقوه , فابعثوا مسعود سنان إلى خالد أن أقم حتى نلحقك , ويقال : بعثوا ثعلبة بن عنمة , قال : فلما جاءه الخبر أقام حتى لحقوه , قال : فلما طلعوا على العسكر أستقبلهم خالد بن الوليد في كثرة من معه من المسلمين حتى نزلوا العسكر , وساروا جميعاً.
خبر مقتل مالك بن نويرة على يد خالد
وقال الواقدي : عن عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه , قال : لما لحقت الأنصار خالد بن الوليد سار في أرض بني تميم حتى انتهى إلى البطاح , فبعث السرايا في أربعة وجوه , فبعث سرية فيها رجل من بني مخزوم , وهو أميرها , وفيها أبو قتادة الأنصاري ,  وبعث عبد الله بن الحارث بن قيس في وجه آخر, وبعث شجاع بن وهب في وجه آخر , وأقام يومين حتى رجعت السرية التي فيها أبو قتادة.
وفي كتاب يحيى بن سعيد الأموي قال : وفي حديث ابن إسحاق : ثم إن خالد بن الوليد سار إلى البطاح من أرض بني تميم , فلما أجمع السير أبت الأنصار إن تسير معه , وقالوا : ما هذا بعهد صاحبنا إلينا , إنما عهد إلينا إذا فرغنا من بزاخة ومن عليها أن نرجع , قال : لكن قد عهد إليَّ غير هذا , أن أسير إلى بني تميم حتى أستبرئ ما بها , ولست بالذي أكرهكم , وقال : أما أنا فمنطلق بمن معي من قريش والقبائل , فانطلق حتى سار منقلةً أو منقلتين , فندمت الأنصار وتذامروا بينهم , وقال بعضهم لبعض: والله لئن أصاب القوم مصيبة ليعظمن ذلك وليقالنَّ : خذلتموهم وأسلمتموهم.
فأجمعوا على اللحوق بخالد , فبعثوا إليه أن : انتظرنا حتى نلحق بك , فانتظرهم حتى أتوه , فسار حتى نزل البطاح من أرض بني تميم , فلم يجد بها جميعاً, ففرق السرايا في نواحيها , فأتى بمالك بن نُويرة في نفرٍ من بني حنظلة , فاختلف الناس فيهم .
وكان في السرية التي أصابتهم : أبوقتادة , فيمن شهد له أن لا سبيل عليه ولا على أصحابه : إنا قد أذنا فأذنوا ثم أقمنا فأقاموا ثم صلينا فصلوا.
وكان من عهد أبي بكر إلى خالد أن : أيتما دار غشيتموها فسمعتم الأذان فيها بالصلاة فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم : ماذا نقيموا ؟ وماذا يبغون ؟ وأيتما دار غشيتموها فلم تسمعوا فيها الأذان فشنُوا عليها الغارة , فاقتلو وحرقوا.
قال : وشَهِد بعضُ من كان في تلك السرية : ما سمعناهم كبَّروا ولا أذنوا . فاختلف فيهم الناس.
فأمر خالد بمالك وأصحابه فُضربت أعناقهم , وتزوج امرأته أم متمم.
وفي كتاب يعقوب بن محمد الزهري  بسنده عن الزهري قال : قال أبو قتادة: كنا في جيش خالد بن الوليد فلما فرغنا من بُزاخة بعثنا خالد في سرية , فلقينا رجلُ, فقلنا :من أنت ؟قال : أنا من بني حنظلة , فقلنا : أين من يمنع الصدقة منا الآن؟ قال:هم بمكان كذا وكذا , فقلنا : كم بيننا وبينهم؟ قال : مآبة, فانطلقنا سراعاً حتى أتيناهم حين طلعت الشمس , ففزعوا حين رأونا وأخذوا السلاح وقالوا : من أنتم ؟ قلنا : نحن عباد الله المسلمون.قالوا : نحن عباد الله المسلمون.وكانوا أثنى عشر رجلاً , فيهم مالك بن نويرة , قلنا: فضعوا السلاح , واستسلموا , ففعلوا , فأخذناهم فجئنا بهم خالداً.فقال بعضهم- أنا فيهم- : قد والله أسلموا , فما لنا عليهم من سبيل , وقال بعضنا: والله ما أسلموا , وإن قتلهم وسبيلهم لحلال .
فرأى ذلك , فجئت , فقلت : أقاتلُ أنت هؤلاء القوم , قال : نعم , قلت : والله ما يحلُ لك قتلهم , ولقد أتقونا بالإسلام فما عليهم من سبيل , ولا أتابعك على قتلهم , فأمرَ بهم خالد فقُتلوا.
قال أبو قتادة : فتسرعت حتى قدمتُ على أبي بكر , فأخبرته الخبر , وعُظمت عليه الشأن , فاشتد في ذلك عمر , وقال : أرجم خالد فإنه قد أستحلّ ذلك
فقال أبوبكر : والله لا أفعل , إن كان خالدُ تأول أمراً فأخطأه .

وذكر يعقوب بن محمد هذا , والواقدي في مقتل مالك بن نويرة , روايات غير ما تقدم , وفي بعضها :
أن خالداً أمر برأسه فجعل في أثفيه لقدر , وكان من أكثر الناس شعراً وكانت القدرُ على رأسه , فراحوا وإن شعرهُ ليدخنُ , وما خلصت النار إلى سواة رأسه .
قلت : هذه الرواية أراها باطلة , بل هي من صنع الخيال , اجزم أنها فرية .
أبي بكر يكتب إلي خالد بالقدوم عليه :
قلت : ما أن وصل أبي قتادة t إلى أبي بكر الصديق , وأخبره بخبر مقتل مالك بن نويرة , كتب بعد أن جزع جزعاً شديداً , إلى خالد أن يقبل عليه على وجه السرعة , فقال أبو بكر : هل يزيد خالد على أن يكون تأول خطأ , فورد خالداً إلى أبي بكر , وودى مالك بن نويرة ورد السبي والمال .وقبل أن نخوض في تفاصيل ردة فعل أبي بكر و عمر بمن مقتل مالك بن نويرة , وكيف أن  خالد بن الوليد tبعد أن قتل مالك نكح زوجته , فهذا وحده أغضب الفاروق عمر t , وكما كان ردة فعل أبي بكر من هذه القصة, أن خالداً تأول وأخطأ .
ذكر الطبري في A تاريخه @ : إن خالداً لما نزل البطُاح بث السرايا فأتي بمالك , فاختلف فيهم الناس , وكان في السرية التي أصابتهم أبوقتادة , فكان أبوقتادة فيمن شهد ألا سبيل عليه ولا على أصحابه , وشهد الأعراب أنهم لم يأذنوا ولم يقيموا ولم يصلوا , وجاءت أم تميم كاشفة وجهها حتى أكبت على مالك - وكانت أجمل الناس- , فقال لها : إليك عني فقد والله قتلني .
فأمر بضرب أعناقهم , فقام إليه أبو قتادة فنناشده فيه وفيهم , ونهاه عنه وعنهم فلم يلتفت إليه , وركب أبو قتادة فرسه فلحق بأبي بكر , وحلف لا يسير في جيشٍ وهو تحت لواء خالد .
فأخبره الخبر , وقال : ترك قولي وأخذ بشهادة الإعراب الذي فتنتهم الغنائم , فقال عمر: إن في سيف الله خالد رهقاً , وإن يكن هذا حقاً فعليك أن تقُيده, فسكت عنه أبو بكر .
إلحاح عمر الفاروق على عزل خالداً:
وقال : عن سيف , عن سهل بن يوسف , عن القاسم قال : ألّح عمر على أبي بكر في أمر خالد , وكتب إليه بالقدوم للذي ذكروا أنه أتى لينظر في ذلك , وأمره أن يخلف على الجيش رجلاً فخاف عليه خال بن الوليد المخزومي, فقدم ولا يشك الناس في أنه معزول , وأنه معاقب , وجعل عمر يقول : عد ا عدو الله على أمرئٍ مسلم فقتله , ونزا على امرأته .
وذكر ابن عساكر في A تاريخه @ : عن هشام , عن عروة بن الزبير : أن أبا بكر بعث خالد بن الوليد إلى بني سُليم حيث ارتدوا عن الإسلام , فقتل وحرَّق بالنار.
فكَلم عمرُ أبا بكر , فقال : بعثت رجلاً يعذب بعذاب الله أنزعه , فقال أبو بكر: لا أشيُم (1) سيفاً سلهٌ الله عز وجل على الكفار , حتى يكون الله الذي يشيعه.
وذكر الذهبي في A سير أعلام النبلاء @: عن هشام عن أبيه قال : كان في بني سُليم ردة فبعث إليهم أبو بكر خالد بن الوليد , فجمع رجالاً منهم في الحظائر , ثم أحرقها عليهم بالنار , فبلغ ذلك عمر فأتى أبا بكر فقال : أتدع رجلاً يعذب بعذاب الله , فقال أبو بكر : والله لا أشيم سيفاً سلهٌ الله على عدوه حتى يكون هو الذي يشيمه , ثم أمره فمضى من وجهه ذلك إلى مسُليمة.
أبو بكر يعذر خالداً ويوجهه إلى حرب مُسليمة الكذاب:
قلت : فلما كتب أبي بكر t إلى خالد بن الوليد بالقدوم عليه , قال الطبري : فأقبل خالد قافلاً حتى دخل المسجد , وعليه قباء له عليه صدأ الحديد , معتجراً بعمامة له , قد غرز في عمامته أسهماً , فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحطمها , ثم قال: أرثاء , قتلت امرأً مسلماً , ثم نزوت على امرأته , والله لأرجمنك بأحجارك - ولا يكلمه خالد بن الوليد  ولا يظن إلاَّ أن رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه - حتى دخل على أبي بكر  فلما أن دخل عليه أخبره الخبر , وأعتذر إليه فعذره أبو بكر , وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك .
قال الطبري : فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر , وعُمر جالس في المسجد  فقال: هلم إليَّ يا بن أم شلمة , قال فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه , فلم يكلمه , ودخل بيته .
وكان الذي قتل مالك بن نويرة : عبد بن الازور الأسدي , وقال ابن الكلبي: الذي قتل مالك بن نُويرة : ضرار بن الازور .
قلت : ولمتمم بن نويرة شعر يرثي فيها أخاه مالك في قصيدة  طويلة قال فيها:

                         فعشنا بخير في الحياة وقبلنا
                                                                 أصاب المنايا رهطَ كسرى وتُبعّا
                        وكنُجا كنَد ماني جذيمه حُقبةً
                                                               من الدهرِ حتى قيل لمن يتصدعا
                        فلما تفرَّقنا كأني ومالكاً
                                                                    لطول اجتماعٍ لم نبت ليلةً معاً
وذكر الطبري في Aتاريخه  @: وقدم أخوه متمم ينشد أبا بكر دمه , ويطلب إليه في سبيهم , فكتب له برد السبي.
قصة مسيلمة الكذاب :
ذكر الطبري في Aتاريخه  @: وفي هذه السنة يعني سنة عشر من الهجرة كتب مسيلة إلى رسول الله يدعي أنه أشرك معه في النبوة , حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن عبد الله بن أبي بكر , قال: كان مسيلمة بن حبيب- الكذاب- , كتب إلى رسول الله : من مُسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله- - , سلام عليك , فإني قد أشركت في الأمر معك , وإن لنا نصف الأرض , ولقريش نصف الأرض , ولكن قريشاً قوم يعتدون.فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب .
حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن شيخ من أشجع , قال ابن حميد : أما عليّ بن مجاهد , فيقول : عن أبي مالك الأشجعي , عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي , عن أبيه نعيم , قال: سمعتُ رسول الله يقول لهما: $ فما تقولان أنتما # , قالا: نقول كما قال. فقال : $ أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما # .
ثم كتب إلى مسيلمة :$بسم الله الرحمن الرحيم , من محمد رسول الله , إلى مسيلمة الكذاب , سلام على من أتبع الهدى , أما بعد , فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده , والعاقبة للمتقين# .
 قال أبو جعفر الطبري : وقد قيل : أن دعوى مسيلمة , ومن أدعى النبوة من الكذابين في عهد النبي , إنما كانت بعد انصراف النبي من حجه المسمى الوداع  , ومرضته التي مرضها التي كانت منها وفاته .
قلت : فلما انتقل نبي الله إلى الرفيق الأعلى , استخلف الصديق رضي الله عنه , ثم أخذ في بعث الجيوش في محاربة المرتدين, ومسيلمة الكذاب أحدهم.
العُدة والطريق إلى مُسليمة الكذاب:
وذكر الطبري في Aتاريخه  @: عن سهل بن يوسف , عن القاسم بن محمد , قال : كان أبوبكر حين بعث عكرمة بن أبي جهل إلى مُسليمة واتبعه شرحبيل عجل عكرمة , فبادر شرحبيل ليذهب بصوتها فواقعهم , فنكبوه وأقام شرحبيل بالطريق حيث أدركه الخبر , وكتب عكرمة إلى أبي بكر بالذي كان من أمره , فكتب إليه أبو بكر : Aيا بن أم عكرمة , لا أرِينَّك ولا تراني على حالها , لا ترجع فتوهن الناس , امض على وجهك حتى تساند حُذيفة وعرفجة فقاتل معهما أهل عُمان ومَهرة , وإن شغلا فامض أنت , ثم تسير وتسيّر جندك تستبرئون من مررتم به , حتى تلتقوا أنتم والمهاجرين أبي أمية باليمن وحضرموت@.
وكتب إلى شُرحبيل يأمره بالمقام حتى يأتيه أمرهٌ , ثم كتب إليه قبل أن يوجّه خالداً بأيام إلى اليمامة: Aإذا قدم عليك خالدُ , فرغتم إن شاء الله , فالحق بقضاعة حتى تكون أنت وعمرو بن العاص على من أبى منهم وخالف@ .
فلما قدم خالد على أبي بكر من البُطاح رضي أبو بكر عنه , وسمع عذره , وقبل منه وصدقه ورضي عنه , وجهه إلى مسيلمة , وأوعب معه الناس.
وعلى الأنصار ثابت بن قيس , والبراء بن فلان , وعلى المهاجرين أبو حذيفة وزيد , وعلى القبائل على كل قبيلة رجلُ .
وتعجَّل خالد حتى قدم على أهل العسكر بالبُطاح , وانتظر البعث الذي ضرِب بالمدينة , فلما قدم عليه نهض حتّى أتى اليمامة , وبنو حنيفة يومئذٍ كثير.
قال الطبري : كتب إليَّ السري , عن شعيب , عن سيف , عن أبي عمرو بن العلاء , عن رجال , قالوا : كان بني حنيفة يومئذٍ أربعين ألف مقاتل , في قُراها وحُجَرها , فسار خالد حتى إذا أظل عليهم أسند خيولاً لعَقّة والهُذيل وزياد , وقد كانوا أقاموا على خَرج أخرجه لهم مُسليمة ليلحقوا به سجاح , وكتب إلى القبائل من تميم فيهم , فنفروهم حتى أخرجوهم من جزيزة , وعجَّل شرحبيل بن حسنة , وفعل فعل عكرمة , وبادر خالداً بقتال مُسليمة قبل قدوم خالد عليه , فنكب , فحاجز , فلما قدم عليه خالد لامهُ , وإنما أسند خالد تلك الخيول مخافة ان يأتوُه من خلفه , وكانوا بأفنية اليمامة .
وذكر الطبري في Aتاريخه@: كتب إليّ السريّ , عن شعيب , عن سيف , عن عبد الله بن سعيد بن ثابت ، عمن حدثه ، عن جابر بن فلان ، قال : وأمّد أبو بكر خالداً بسليط، ليكون ردءاً له من أن يأتيه أحدُ من خلفه فخرج ، فلما دنا من خالد وجد تلك الخيول التي انتابت تلك البلاد قد فرقوا ، فهربوا وكان منهم قريباً ردءاً لهم، وكان أبو بكر يقول : لا استعمل أهل بدر، أدعُهم حتى يلقوا الله بأحسن أعمالهم ، فإن الله يدفع بهم وبالصلحاء من الأمم أكثر وأفضل مما ينتصر بهم ، وكان عمر بن الخطاب يقول : والله لأشركنهم وليواسُنني . 
وذكر الطبري في Aتاريخه@: كتب إليّ السريّ , عن شعيب , عن سيف , عن طلحة بن الأعلم , عن عبيد بن عمير , عن أثال الحنفي - وكان مع ثمامة بن أثال - قال : وكان مُسليمة يصانع كلّ أحد ويتألفه ولا يبالي أن يطلع الناس منه على قبيح , وكان معه نهار الرَّجال بن عٌنفوة , وكان قد هاجر إلى النبي , وقرأ القرآن , وفقه في الدّين , فبعثه مُعلماً لأهل اليمامة , ويشغب على  مُسليمة , وليشدد من أمر المسلمين , فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مُسليمة , شهد له أنه سمع محمداً يقول : إنه قد أشرك معه , فصدقوه واستجابوا له , وأمروه بمكاتبة النبي , ووعُدوه إن هو لم يقبل أن يعُينوه عليه , فكان نهار الرَّجال بن عنفوة لا يقول شيئاً إلا تابعه عليه , وكان ينتهي إلى أمره , وكان يؤذن للنبي .
ويشهد في الآذان أن محمداً رسول الله , وكان الذي يؤذن له عبد الله بن النواحة , وكان الذي يُقيم له حٌجير بن عمير , ويشهد له , وكان مسيلمة إذا دنا حٌجير من الشهادة , قال : صرح حٌجير , فيزيد في صوته , ويبالغ لتصديق نفسه , وتصديق نهار وتضليل من كان قد أسلم , فعظم وقاره في أنفسهم.قال: وضرب حرماً باليمامة , فنهى عنه , وأخذ الناس به , فكان محُرماً فوقع في ذلك الحرمٌ قرى الأحاليف , أفخاذ من بني أسيد , كانت دارهم باليمامة فصار مكان دارهم في الحرم , والأحاليف : سيحان , ونمُارة ونمر , والحارث بنو جُروة , فإن أخصبوا أغاروا على ثمار أهل اليمامة , واتخذوا الحرم دغلاً , فإن نذروا بهم فدخلوه أحجموا  عنهم , وإن لم ينذروا بهم فذلك ما يريدون.
دجل مُسليمة الكذاب:
فكثر ذلك منهم حتى أستعدوا عليهم , فقال : أنتظر الذي يأتي من السماء فيكم وفيهم .
ثم قال لهم : " والليل الاُطحم , والذئب الأدلم , والجذع الأزلم , ما انتهت أسيد من محرم "
فقالوا : أما محرم استحلال الحرم وفساد الأموال ! ثم عادوا للغارة, وعادوا للعُدوى , فقال : أنتظر الذي يأتيني , فقال : " والليل الدامس , والذئب الهامس , ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس " .
قالوا : أما النخيل مرُطبة فقد جُدوها , وأما الجدران يابسة فقد هدموها , فقال : اذهبوا وأرجعوا فلا حق لكم .
وكان فيما يقرأ فيهم : "إن بني تميم قوم طهر لقاح , لا مكروه عليهم ولا إتاوة، نجاورهم ما حيينا بإحسان , نمنعهم من كل إنسان , فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن" وكان يقول : " والشاء وألوانها , وأعجبها السود وألبانها , والشاة السوداء واللبن الأبيض , إنه لعجب مُحض , وقد حرَّم المذق , فما لكم لا تمجعون "
وكان يقول : " ياضفدع ابنة ضفدع , نُقي ما تنقين , أعلاك في الماء وأسفلك في الطين , لا الشارب تمنعين , ولا الماء تكدرين".
وكان يقول : " والمبذرات زرعا , والحاصدات حصداً والذرايات قمحاً , والطاحنات طحناً , والخابزات خبزاً , والثاردات ثرداً , واللاقمات لقماً , وإهالة وسمناً , لقد فضِّلتم على أهل الوبر , وما سبقكم أهل المدَر, ريفيكم فامنعوه , والمعتر فآووه , والباغي فناوثوه "
قال : وأتته امرأة من بني حنيفة تكنى بأم الهيثم , فقالت : إن نخلنا لسحُق وإن آبارنا لجُرز , فادع الله لمائنا ولنخلنا كما دعا محمد لأهل هزمان.
فقال : يا نهارُ ما تقول هذه ؟ فقال : إن أهل هزمان أتوا محمداً فشكوا بُعد مائهم - وكانت آبارهم جُرزاً - ونخلهم أنها سُحقُ , فدعا لهم فجاشت آبارهم , واتحَنَتْ كلّ نخلة قد انتهت حتى وضعت جرانها لانتهائها , فحكت به الأرض حتى أنشبت عروقاً ثم قطعت من دون ذلك , فعادت فسيلاً مكمماً ينمى صاعداً .
قال: وكيف صنع الآبار؟ قال: دعا بسجل , فدعا لهم فيه , ثم تمضمض بفمه منه ثم مجهُ فيه , فانطلقوا به  حتى فرغوه في تلك الآبار , ثم سقوه نخلهم , ففعل النبي ما حدثتك , وبقي الأخر إلى انتهائه .
فدعا مسيلمة بدلوٍ من ماء فدعا لهم فيه , ثم تمضمض منه , ثم مج فيه فنقلوه فأفرغوه في آبارهم , فغارت مياه تلك الآبار , وخوى نخلهُم , وإنما استبان ذلك بعد مهلكة .
وقال له نهار : بَّرك على مولودي بني حنيفة , فقال له : وما التبريك؟ قال : كان أهلُ الحجاز إذا ولد فيهم المولود أتوا به محمداً فحنكه ومسح رأسه,فلم يؤت مسيلمة بصبي فحنكه , ومسح رأسه إلاَّ قرع ولثغ واستبان ذلك بعد مهلكة .
وقالوا: تتبع حيطانهم كما كان محمد يصنع فصل فيها , فدخل حائطاً من حوائط اليمامة , فتوضأ , فقال نهار لصاحب الحائط : ما يمنعك من وضؤ الرحمن فتسقي به حائطك حتى يُروى ويبتل , كما صنع بنو المهرية , أهل بيت من بني حنيفة , وكان رجل من المهرية قدم على النبي فأخذ وضوءه فنقله معه إلى اليمامة , فأفرغه في بئره , ثم نزع وسقى , وكانت أرضه تهُوم فرويت وجزأت فلم تُلف إلاَّ خضراء مهتزة ففعل- فعادت يباباً لا يُنبَت مرَعاها .
وأتاه رجلُ فقال : أدع الله لأرضي فإنها مسبخة , كما دعا محمد لسُلمي على أرضه , فقال : ما يقول يانهار ؟فقال : قدم عليه سلمي , وكانت أرضه سبخة فدعا له , وأعطاه سجلاً من ماء , ومج له فيه , فأفرغه في بئره , ثم نزع , فطابت وعُذبت , ففعل مثل ذلك فانطلق الرجل , ففعل بالسجل كما فعل سلمي , فغرقت أرضه , فما جف ثراها , ولا أدرك ثمرها.
وذكر الطبري فيAتاريخه @: كتب إليَّ السري , قال: حدثنا شعيب , عن سيف , عن خُليد بن ذفرة النمري , عن عمير بن طلحة النمري , عن أبيه , أنه جاء اليمامة , فقال: أين مسيلمة ؟قالوا : صه رسول الله , فقال: لا , حتى أراه , فلما جاءه , قال: أنت مسيلمة؟ قال:نعم , قال: من يأتيك؟قال: رحمن!قال: أفي نور أو في ظلمة , فقال: في ظلمة , فقال : أشهد أنك كذاب , وأن محمداً صادق , ولكن كذاب ربيعة أحبُّ إلينا من صادق مضر , فُقتل معه يوم عقرَباء.



سيف الله خالد في طريقة إلى مُسليمة الكذَّاب :
قال الطبري : وكتب إليَّ السري , عن شعيب , عن سيف , عن طلحة بن الأعلم , عن عبيد بن عمير , عن رجل منهم قال : لما بلغ مسيلمة دنوُ خالد , ضرب عسكره بعقرباء , واستنفر الناس , فجعل الناس يخرجون إليه , وخرج مجاعة بن مرارة في سرية يطلب ثأراً له في بني عامر وبني تميم قد خاف فواته , وبادر به الشغل , فأما ثأره في بني عامر فكانت خولة ابنة جعفر فيهم, فمنعوه منها , فاختلجها , وأما ثأره في بني تميم فنعُم أخذوا له .
واستقبل خالد شرحبيل بن حسنَة , فقدمه وأمر على المقدمة خالد بن فلان المخزومي , وجعل على المخبتين زيداً وأبا حُذيفة , وجعل مسيلمة على مجنبتيه المحكَّم والرَجَّال , فسار خالد ومعه شرحبيل , حتى إذا كان من عسكر مسيلمة على ليلة , هجم على جبيلة هجوم - المقلل يقول : أربعين , والمكثر يقول : ستين- فإذا هو مجَّاعة وأصحابه , وقد غَلبهم الكَرىَ , وكانوا راجعين من بلاد بني عامر , قد طووا إليهم , واستخرجوا خولة ابنة جعفر فهي معهم, فعَرسوا دون أصل الثنية , ثنية اليمامة , فوجدوهم وهم نياماً وأرسان خيولهم بأيديهم تحت خدودهم , وهم لا يشعرون بقرب الجيش منهم , فأنبهوهم , وقالوا : من أنتم ؟ قالوا : هذه مجاعة وهذه حنيفة , قالوا : أنتم فلا حياكم الله! فأوثقوهم وأقاموا إلى أن جاءهم خالد ين الوليد , فأتوه بهم , فظن خالد أنهم جاءوه يستقبلوه , ولتقوه بحاجته , فقال: متى سمعتم بنا ؟ قالوا:ما شعرنا بك إنما خرجنا لثأر لنا فيمن حولنا من بني عامر وتميم , ولو فطنوا لقالوا : تلقيناك حين سمعنا بك , فأمر بهم أن يُقتلوا , فجادوا كلهُم بأنفسهم دون مجاعة بن مرارة , وقالوا : إن كنت تريد بأهل اليمامة غداً خيراً , أو شراً فاستبق هذا ولا تقتله , فقتلهم خالد وحبس مجاعة عنده كرهينة .
قال أبو جعفر الطبري : كتب إليَّ السري , قال : حدثنا شُعيب , عن سيف , عن طلحة , عن عكرمة , عن أبي هريرة , وعبد الله بن سعيد , عن أبي سعيد عن أبي هريرة , قال : قد كان أبو بكر بعث إلى الرَّجال فأتاه فأوصاه بوصيته, ثم أرسله إلى أهل اليمامة , وهو يرى أنه على الصدق حين أجابه , قالا : قال أبو هريرة : جلستُ مع النبي في رهط معنا الرَّجال بن عنفوة , فقال : إن فيكم لرجلاً ضرسه في النار أعظم من أحُد , فهلك القوم وبقيت أنا والرَّجال فكنت متخوفاً لها ، حتى خرج الرَّجال مع مسيلمة ، فشهد له بالنبوة , فكانت فتنة الرَّجال أعظم من فتنة مسليمة، فبعث إليهم أبو بكر خالداً, فسار حتى إذا بلغ ثنية اليمامة , استقبل مجاعة بن مرارة , وكان سيد بني حنيفة - في جبل من قومه , يريد الغارة على بني عامر , ويطلبُ دماً , وهم ثلاثة وعشرون فارساً ركباناً قد عرّسوا.فبيتهم خالد في معرسهم , فقال : متى سمعتم بنا ؟
 فقالوا : ما سمعنا بكم ، إنما خرجنا لنثأر بدم لنا في بني عامر، فأمر بهم خالد فضربت أعناقهم ، واستحيا مجاعة ، ثم سار إلى اليمامة ، فخرج مسيلمة وبنو حنيفة حين سمعوا بخالد ، فنزلوا بعقرباء ، فحلّ بها عليهم ، وهي طرف اليمامة دون الأموال ، وريف اليمامة وراء ظهورهم ، وقال شرحبيل بن مسُيلمة : يا بني حنيفة ، اليوم يوم الغيرة ، اليوم إن هزمتم نستردف النساء سبيات ، وينكحن غير خطيبات ، فقاتلوا عن أحسابكم ، وامنعوا نساءكم ، فاقتتلوا بعقرباء ، وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة ، فقالوا : تخشى علينا من نفسك شيئاً ، فقال: بئس حامل القرآن أنا إذاً ، وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس ، وكانت العرب على راياتها ومجاعة أسير مع أم تميم في فسطاطها .
مقتل مسيلمة الكذاب على يد وحشي :
فجال المسلمون جولةً ، ودخل أناس من بني حنيفة على أم تميم ، فأرادوا قتلها ، فمنعها مجاعة.قال : أنا لها جارُ ، فنعمت الحرة هي! فدفعهم عنها ، وترادَّ المسلمون ، فكروا عليهم ، فانهزمت بنو حنيفة ، فقال المحكم بن الطفيل : يا بني حنيفة ، ادخلوا الحديقة , فإني سأمنع أدباركم ، فقاتل دونهم ساعة ثم قتله الله ، قتله عبد الرحمن بن أبي بكر  , ودخل الكفار الحديقة ، وقتل وحشي مسيلمة ، وضربه رجل من الأنصار فشاركه فيه .


رواية أخرى:
عن محمد بن إسحاق قال : دعا خالد بمجاعة , ومن أخذ معه حين أصبح ، فقال : يا بني حنيفة ، ما تقولون ؟ قالوا : نقول : منا نبي ومنكم نبي ، فعرضهم على السيف ، حتى إذا بقي منهم رجل , يقال له سارية بن عامر ومجاعة بن مُرارة ، قال له سارية : أيها الرجل ، إن كنت تريد بهذه القرية غداً خيراً أو شراً ، فاستبق هذا الرجل - يعنى مجاعة - فأمر به خالد فأوثقه في الحديد ، ثم دفعه إلى أم تميم امرأته ، فقال : استوصي به خيراً ، ثم مضى حتى نزل اليمامة على كثيب مشرف على اليمامة ، فضرب به عسكره ، وخرج أهل اليمامة مع مسيلمة وقد قدم في مقدمته الرجال .
 قال أبو جعفر : هكذا قال ابن حميد بالحاء - بن عنفوة بن نهشل ، وكان الرَّجال رجلاً من بني حنيفة قد كان أسلم ، وقرأ سورة البقرة ، فلما قدم اليمامة شهد لمسيلمة أن رسول الله قد كان أشركه في الأمر , فكان أعظم على أهل اليمامة فتنة من مسيلمة ، وكان المسلمون يسألون عن الرَّحال يرجون أنه يثلم على أهل اليمامة أمرهم بإسلامه ، فلقيهم في مصافهم ، وقد رأى بارقة في بني حنيفة : أبشروا يا معشر المسلمين , فقد كفاكم الله أمر عدوكم , واختلف القوم إن شاء الله ، فنظر مجاعة وهو خلفه موثقاً في الحديد، فقال : كلا والله ، ولكنها الهندوانية خشوا عليها من تحطمها ، فأبرزوها للشمس لتلين لهم ، فكان كما قال .
فلما التقى المسلمون كان أول من لقيهم الرَّجال بن عنفوة ، فقتله الله .
وذكر الطبري A في تاريخه@: حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق ، عن شيخ من بني حنيفة ، عن أبى هريرة ، أن رسول الله قال يوماً - وأبو هريرة ورجَّال بن عنفوة في مجلس عنده : $لضرس أحدكم أيها المجلس في النار يوم القيامة أعظم من أحد# .
قال أبو هريرة : فمضى القوم لسبيلهم ، وبقيت أنا ورَّجال بن عُنفوة ، فما زلت لها متخوفاً ، حتى سمعت بمخرج رجَّال ، فأمنت وعرفت أن ما قال رسول الله حق .
أخبار متعلقة بالمعركة وما جاء فيها من أحداث:
ثم التقى الناس ولم يلقهم حَربُ قط مثلها من حرب العرب , فاقتتل الناس قتالاً شديداً ، حتى انهزم المسلمون وخلص بنو حنيفة إلى مجاعة وإلى خالد ، فزال خالد عن فسطاطه ودخل أناس الفسطاط , وفيه مجاعة عند أم تميم ، فحمل عليها رجل بالسيف ، فقال مجاعة : مَـِه ، أنا لها جارُ ، فنعمت الحُـرَّة! عليكم بالرجال ، فرَعَبلوا الفسطاط بالسيوف .
 ثم إن المسلمين تداعوا ، فقال ثابت بن قيس : بئسما عوَّدتم أنفسكم يا معشر المسلمين!اللهم إني أبرأ إليك مما يعبدُ هؤلاء - يعني أهل اليمامة - وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء - يعنى المسلمين - ثم جالد بسيفه حتى قُتِل .
وقال زيد بن الخطاب، حين انكشف الناس عن رحالهم : لا تحوز بعد الرّحال، ثم قاتل حتى قتل .
ثم قام البَـرَاء بن مالك أخو أنس بن مالك - وكان إذا حضر الحرب أخذته العُرواء حتى يقعد  أخذه الذي كان يأخذه حتى قعد عليه الرجال ، فلما بال وثب ، فقال: أين يا معشر المسلمين! أنا البراء بن مالك ، هلمّ إليَّ ! وفاءت فئة من الناس ، فقاتلوا القوم حتى قتلهم الله ، وخلصوا إلى محكم اليمامة - وهو محكم بن الطفيل - فقال حين بلغه القتال: يا معشر بني حنيفة ، الآن والله تُستحقب الكرائم غير رضَّيات ، وينكحن غير خطيبات , فما عندكم من حسب فأخرجوه ، فقاتل قتالاً شديداً  , ورماه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بسهم فوضعه في نحره فقتله.
حديقة الموت :
ثم زحف المسلمون حتى ألجئوهم إلى الحديقة ، حديقة الموت ، وفيها عدو الله مسيلمة الكذاب ، فقال البراء : يا معشر المسلمين ، ألقونى عليهم في الحديقة ، فقال الناس : لا تفعل يا براء ، فقال : والله لتطرُحني عليهم فيها ، فاحتمل حتى أشرف على الحديقة من الجدار، اقتحم فقاتلهم عن باب الحديقة، حتى فتحها للمسلمين ، ودخل المسلمون عليهم فيها ، فاقتتلوا حتى قتل الله مسيلمة عدو الله ، واشترك في قتله وحشي مولى جبير بن مطعم ، ورجل من الأنصار ، كلاهما قد أصابه , أما وحشي فدفع عليه حربته ، وأما الأنصاري فضربه بسيفه ، فكان وحشي يقول : ربك أعلم أينا قتله !.
قلت: ولهذا قيل: أن وحشي بن حرب قتل خير الناس , وهو أسد الله حمزة بن عبد المطلب t , وقاتل شرَّ الناس وهو عدو الله مسيلمة الكذاب.
يروى عن محمد بن إسحاق : عن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة , عن سليمان بن يسار , عن عبد الله بن عمر قال: سمعتُ رجلاً يومئذٍ يصرخ يقول: قتله العبد الأسود .
قلت : وهو يعني وحشي بن حرب والله أعلم .
وذكر الطبري في A تاريخه @ : عن شعيب ، عن سيف ، عن الضحاك بن يربوع، عن أبيه ، عن رجل من بني سُحيم قد شهدها مع خالد ، قال : لما اشتد القتال وكانت يومئذٍ سجالاً إنما تكون مرة على المسلمين , ومرة على الكافرين -  فقال خالد : أيها الناس امتازوا لنعلم بلاء كل حي ، ولنعلم من أين نؤتى! فامتاز أهل القرى والبوادي ، وامتازت القبائل من أهل البادية وأهل الحضر ، فوقف بنو كل أب على رايتهم ، فقاتلوا جميعاً ، فقال أهل البوادي يومئذٍ : الآن يستحر القتل في الأجزع الأضعف ، فاستحر القتل في أهل القرى ، وثبت مسيلمة ، ودارت رحالهم عليه ، فعرف خالد أنها لا تركد إلا بقتل مسيلمة ، ولم تحفل بنو حنيفة بقتل من قتل منهم ، ثم برز خالد حتى إذا كان أمام الصف دعا إلى البراز وانتمى ، وقال : أنا ابن الوليد العْوذ ، أنا ابن عامر وزيد ، ونادى بشعارهم يومئذٍ ، وكان شعارهم يومئذٍ : يا محمداه! فجعل لا يبرز له أحد إلا قتله وهو يرتجز:

           أنا ابن أشياخ وسيفي السخت        أعظمُ شيء حين يأتيك النفث
ولا يبرز له شيء إلا أكله ، ودارت رحا المسلمين وطحنت , ثم نادى خالد حين دنا من مسيلمة - وكان رسول الله قال : إن مع مسيلمة شيطاناً لا يعصيه ، فإذا اعتراه أزبد كأن شدقيه زبيبتان لا يهم بخبر أبداً إلا صرفه عنه ، فإذا رأيتم منه عورة , فلا تقيلوه العثر - فلما دنا خالد منه طلب تلك ، ورآه ثابتاً ورحاهم تدور عليه ، وعرف أنها لا تزول إلا بزواله ، فدعا مسيلمة طلبا لعورته ، فأجابه ، فعرض عليه أشياء مما يشتهى مسيلمة ، وقال : إن قبلنا النصف ، فأي الأنصاف تعطينا ؟ فكان إذا هم بجوابه أعرض بوجهه مستشيراً ، فينهاه شيطانه أن يقبل ، فأعرض بوجهه مرة من ذلك وركبه خالد فأرهقه فأدبر ، وزالوا فذمر خالد الناس ، وقال : دونكم لا تقيلوهم ، وركبوهم فكانت هزيمتهم  , فقال مسيلمة حين قام ، وقد تطاير الناس عنه ، وقال قائلون: فأين ما كنت تعدنا؟ فقال: قاتلوا عن أحسابكم ، قال : ونادى المحكم: يا بني حنيفة ، الحديقة الحديقة ، ويأتي وحشي على مسيلمة وهو مٌزبد متساند لا يعقل من الغيظ ، فخرط عليه حربته فقتله ، واقتحم الناس عليهم حديقة الموت من حيطانها وأبوابها ، فقتل في المعركة ، وحديقة الموت , عشرة آلاف مقاتل .
وذكر الطبري في A تاريخه  @: عن شعيب ، عن سيف ، عن هارون ، وطلحة ، عن عمرو بن شعيب وابن إسحاق: أنهم لما امتازوا وصبروا ، وانحازت بنو حنيفة تبعهم المسلمون يقتلونهم ، حتى بلغوا بهم إلى حديقة الموت.
 فاختلفوا في قتل مسيلمة عندها ، فقال قائلون : فيها قُتل ، فدخلوها وأغلقوها عليهم ، وأحاط المسلمون بهم وصرخ البراء بن مالك ، فقال : يا معشر المسلمين ، احملوني على الجدار حتى تطرحوني عليه ,  ففعلوا حتى إذا وضعوه على الجدار نظر وأرعد فنادى : أنزلوني ، ثم قال : احملوني ، ففعل ذلك مراراً ثم قال : أف لهذا خَشِعاً! ثم قال : احملوني ، فلما وضعوه على الحائط اقتحم عليهم ، فقاتلهم على الباب حتى فتحه للمسلمين , وهم على الباب من خارج فدخلوا ، فأغلق الباب عليهم ، ثم رمى بالمفتاح من وراء الجدار ، فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يروا مثله ، وأبير من في الحديقة منهم ، وقد قتل الله مسيلمة ، وقالت بنو حنيفة : أين ما كنت تعدنا! قال : قاتلوا عن أحسابكم .
 قال الطبري : عن شعيب ، عن سيف ، عن هارون وطلحة وابن إسحاق ، قالوا: لما صرخ الصارخ أن العبد الأسود قتل مسيلمة، خرج خالد بمجاعة يُرسُفُ في الحديد ليرُيهٌ مسيلمة ، وأعلام جنده ، فأتى على الرَّجال فقال : هذا الرَّجال .
وعن ابن إسحاق قال : لما فرغ المسلمون من مسيلمة أتى خالد فأخُبر ، فخرج بمجاعة يرسُف معه في الحديد ليدله على مسيلمة ، فجعل يكشف له القتلى حتى مرَّ بمحكم بن الطفيل- وكان رجلاً جسيماً وسيماً - فلما رآه خالد ، قال: هذا صاحبكم؟قال : لا ، هذا والله خير منه وأكرم ، هذا محكم اليمامة.
 قال : ثم مضى خالد يكشف له القتلى حتى دخل الحديقة ، فقلب له القتلى ، فإذا رُويجل أصيفر أخينس ، فقال مجاعة : هذا صاحبكم ، قد فرغتم منه ، فقال خالد لمجاعة : هذا صاحبكم الذي فعل بكم ما فعل ، قال : قد كان ذلك يا خالد ، وإنه والله ما جاءك إلا سرعان الناس ، وإن جماهير الناس لفي الحصون . فقال : ويلك ما تقول ؟ قال : هو والله الحق ، فهل لأصالحك على قومي .
ويرى عن ابن إسحاق: قال مجاعة لخالد ما قال , إذ قال له : فهلم لأصالحك عن قومي لرجل قد نهكته الحرب ، وأصيب معه من أشراف الناس من أصيب  , فقد رق وأحب الدعة والصلح . فقال : هلم لأصالحك ، فصالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة ونصف السبي .ثم قال: إني آتي القوم فأعرض عليهم ما قد صنعت.
وفي رواية عند الطبري : عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ، قال : قال مجاعة يومئذٍ ثانية: إن شئت أن تقبل مني نصف السبي والصفراء والبيضاء والحلقة والكراع , عزمت وكتبت الصلح بيني وبينك . ففعل خالد ذلك ، فصالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة والكراع , وعلى نصف السبي وحائط من كل قرية يختاره خالد ، ومزرعة يختارها خالد . فتقاضوا على ذلك، ثم سرحه ، وقال : أنتم بالخيار ثلاثاً ، والله لئن تتموا وتقبلوا لأنهدنَّ إليكم، ثم لا أقبل منكم خصلة أبداً إلا القتل .
فأتاهم مجاعة فقال : أما الآن فاقبلوا ، فقال سلمة بن عمير الحنفي : لا والله لا نقبل ، نبعث إلى أهل القرى والعبيد فنقاتل ولا نقاضي خالداً ، فإن الحصون حصينة والطعام كثير ، والشتاء قد حضر.فقال مجاعة: إنك امرؤ مشئوم ، وغرّك أني خدعت القوم حتى أجابوني إلى الصلح ، وهل بقي منكم أحد فيه خير ، أو به دفع! وإنما أنا بادرتكم قبل أن يصيبكم ما قال شرحبيل بن مسيلمة ، فخرج مجاعة سابع سبعة حتى أتى خالداً ، فقال : بعد شدّ ما رضوا ، اكتب كتابك ، فكتب: هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد مجاعة بن مرارة وسلمة بن عمير وفلان وفلاناً ، قاضاهم على الصفراء والبيضاء ونصف السبي والحلقة والكراع , وحائط من كل قرية ، ومزرعة ، على أن يُسلموا , ثم أنتم آمنون بأمان الله ، ولكم ذمة خالد بن الوليد وذمة أبي بكر خليفة رسول الله ، وذمة المسلمين على الوفاء.
وذكر الطبري في A تاريخه @: عن أبي هريرة ، قال : لما صالح خالد مجاعة ، صالحه على الصفراء والبيضاء والحلقة، وكل حائط رضانا في كل ناحية ونصف المملوكين ، فأبوا ذلك ، فقال خالد : أنت بالخيار ثلاثة أيام ، فقال سلمة بن عمير: يا بني حنيفة ، قاتلوا عن أحسابكم ، ولا تصالحوا على شيء ، فإن الحصن حصين ، والطعام كثير وقد حضر الشتاء . فقال مجاعة : يا بني حنيفة ، أطيعوني واعصوا سلمة ، فإنه رجل مشئوم ، قبل أن يصيبكم ما قال شرحبيل بن مسيلمة: قبل أن نستردف النساء غير رضيات ، وينكحن غير خطيبات.
فأطاعوه وعصوا سلمة ، وقبلوا قضيته ، وقد بعث أبو بكر t بكتاب إلى خالد مع سلمة بن سلامة بن وقش ، يأمره إن ظفره الله عز وجل أن يقتل من جرت عليه المواسي من بني حنيفة ، فقدم فوجده قد صالحهم ، فوفى لهم ، وتم على ما كان منه ، وحشرت بنو حنيفة إلى البيعة والبراءة مما كانوا عليه إلى خالد ، وخالد في عسكره ، فلما اجتمعوا قال سلمة بن عمير لمجاعة : استأذن لي على خالد أكلمه في حاجة له عندي ونصيحة - وقد أجمع أن يفتك به - فكلمه فأذن له، فأقبل سلمة بن عمير ، مشتملاً على السيف يريد ما يريد ، فقال: من هذا المقبل ؟ قال مجاعة : هذا الذي كلمتك فيه ، وقد أذنت له ، قال: أخرجوه عني ، فأخرجوه عنه ، ففتشوه فوجدوا معه السيف ، فلعنوه وشتموه وأوثقوه ، وقالوا: لقد أردت أن تهلك قومك ، وايم الله ما أردت إلا أن تستأصل بنو حنيفة ، وتسبي الذرية والنساء ، وايم الله لو أن خالداً علم أنك حملت السلاح لقتلك ، وما نأمنه إن بلغه ذلك أن يقتلك , وأن يقتل الرجال ويسبي النساء بما فعلت ، ويحسب أن ذلك عن ملاءٍ منا . فأوثقوه وجعلوه في الحصن ، وتتابع بنو حنيفة على البراء مما كانوا عليه ، وعلى الإسلام ، وعاهدهم سلمة على ألا يحدث حدثاً ويعفوه ، فأبوا ولم يثقوا بحمقه أن يقبلوا منه عهداً ، فأفلت ليلاً ، فعمد إلى عسكر خالد ، فصاح به الحرس ، وفزعت بنو حنيفة ، فاتبعوه فأدركوه في بعض الحوائط ، فشدّ عليهم بالسيف ، فاكتنفوه بالحجارة ، وأجال السيف على حلقه فقطع أوداجه، فسقط في بئر فمات .

خالد يطلب من مجاعة أن يزوجه ابنته :
عن محمد بن إسحاق  قال : ثم إن خالدا قال لمجاعة : زوجني ابنتك ، فقال له مجاعة:مهلاً ، إنك قاطع ظهري وظهرك معي عند صاحبك. قال : أيها الرجل  زوجني , فزوجه .فبلغ ذلك أبا بكر ، فكتب إليه كتاباً يقطر الدم : لعمري يا ابن أم خالد ، إنك لفارغ تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجفف بعد!قال: فلما نظر خالد في الكتاب جعل يقول : هذا عمل الأعيسر - يعنى عمر بن الخطاب - .
بعث وفد بني حنيفة إلى بكر الصديق :
 وقد بعث خالد بن الوليد وفداً من بني حنيفة إلى أبي بكر ، فقدموا عليه ، فقال لهم أبو بكر : ويحكم ما هذا الذي استزل منكم ما استزل ! قالوا : يا خليفة رسول الله  قد كان الذي بلغك مما أصابنا كان أمراً لم يبارك الله عز وجل له , ولا لعشيرته فيه ، قال : على ذلك ، ما الذي دعاكم به! قالوا : كان يقول: يا ضفد ع نقي نقي ، لا الشارب تمنعين ، ولا الماء تكدرين ، لنا نصف الأرض ، ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشاً قوم يعتدون.قال أبو بكر : سبحان الله! ويحكم! إن هذا لكلام ما خرج من إل ولا برّ ، فأين يذهب بكم.
فلما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة ، وكان منزله الذي به التقى الناس أباض، واد من أودية اليمامة.ثم تحول إلى وادٍ من أوديتها يقال له الوبر - كان منزله بها.
سيف الله خالد بن الوليد يصف معركة اليمامة :
ذكر أبي القاسم بن حبيش فيAالغزوات@: وعمن سمع خالد بن الوليد يقول:شهدت عشرين زحفاً فلم أرَ قوماً أصبر لوقع السيوف , ولا أضرَبَ بها , ولا أثبتَ أقداماً من بني حنيفة يوم اليمامة , إنا لما فرغنا من طليحة الكذاب , - ولم تكن له شوكة- قلت كلمة والبلاءٌ موكل بالقول: وما حنيفة ما هي إلا كمن لقينا , فلقينا قوماً ليسوا يشبهون أحداً , لما انتهينا إلى عسكرهم نظرت إلى قوم قد قدموا أمام عسكرهم بشراً كثيراً , فقلت: هذه مكيدة , وإذا القوم لم يحفلوا بنا , فعسكرنا منهم بمنظر العين.
 فلما أمسيت حزرتٌ القوم بنفسي , فإذا القوم فحونا فبتنا في عسكرنا , وباتوا في عسكرهم .
فلما طلع الفجر قام القوم إلى التعبئة ، وثرنا معهم في غداة باردة , وصففت صفوفي , وصفوا صفوفهم , ثم أقبلوا إلينا يقطون قطواً قد سلوا السيوف فكبرت , ورأيت ذلك منهم فشلاً , فلما دنوا منا نادوا: أن هذا ليس بفشل ولكنها الهندوانية , وخفنا التحطم عليها .
فما هو إلا أن واجهونا حملوا علينا حملة واحدة وانهزمت الأعراب , ولاذوا بين إضعاف الصفوف , فانهزم معهم أهل النيات , وأوجعت حنيفة في أدبارهم بالقتل , وتقدمت أضرب بسيفي مرةً يشتملون عليَّ , ومرة أنفذ منهم , وكر المسلمون كرةً ثانية , فحملت بنو حنيفة أيضاً حتى هزموا المسلمين ثلاث مرات , وإنما ينهزم بالناس الأعراب , فناديت في المسلمين فذكرتهم الله وناديت في المهاجرين والأنصار: الله الله الكرة على عدوكم.
 فنادى أهل السوابق: أخلصونا , فأخلصوا لا يخلطهم رجل فأخلص قوم قد ألح السيف عليهم , وقتل من قتل منهم , ومن بقي من أهل النيات منقطع من الجراح , ولكنا لم نجد المعول إلا عليهم , ولا الصبر إلا عندهم فصفوا جميعاً في نحر العدو.
 وجاءت الأعراب من خلفهم , وذهبت حنيفة تطلب أن تهزمهم كما كانت تفعل , فثبتوا على مصافهم لا تزول فتراً , واختلفت السيوف بينهم , وصبر الفريقان جميعاً , وذهب الأعراب من ورائنا , فحملنا عليهم حملة , فما زادت حنيفة على أن رجعت القهقري , ما تولى الأدبار حتى وقفوا على باب الحديقة، فاختلفت السيوف بيننا وبينهم ، حتى نظرت إلى شهب النار، وحتى صارت القتلى منا ومنهم ركاماً.
 وقد أغلقت الحديقة فدخل من رحمه الله فشغلهم عن الباب حتى دخلنا، فإذا أهل السوابق قد وطنوا أنفسهم على الموت , يسارعون إلى الموت سراعاً , فما هو إلا أن عاينتهم حنيفة في الحديقة من السقوف، فناديت أصحابي:  عضوا على النواجذ، لا أسمع شيئاً إلا وقع الحديد بعضه على بعض فما كان شيء حتى قتل عدو الله، فما ضرب أحد بعده من بني حنيفة بسيف، ولقد صبروا لنا من حين طلعت الشمس إلى صلاة العصر، ولقد رأيتني في الحديقة وعانقني رجل منهم وأنا فارس وهو فارس، فوقعنا عن فرسينا، ثم تعانقنا بالأرض، فأجؤه بخنجر في سيفي، وجعل يجؤني بمعولٍ في سيفه، فجرحني سبع جراحاتٍ، وقد جرحته جرحاً أثبته فاسترخى في يدي، وما بي من حركةٍ من الجراح، وقد نزفتُ من الدم إلا أنه سبقني بالأجل. فالحمد لله على ذلك.



استقبال أبي بكر الصديق أخبار المعركة :
ذكر أبي القاسم بن حبيش في A الغزوات  @: عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان أبو بكر حين وجه خالداً إلى اليمامة رأى في النوم كأنه أتي بتمر من تمر هَجَر، فأكل منه , فكان منها تمرة واحدة وجدها نواة على خلقة التمرة ، فلاكها ساعةً , ثم رمى بها ، فتأولها فقال: ليلقين خالد من أهل اليمامة شدة ، وليفتحن الله على يديه إن شاء الله. 
فكان أبو بكر يستروح الخبر من اليمامة بقدر ما يجيء رسول خالد ، فخرج أبو بكر يوماً بالعشي إلى ظهر الحرة , يريد أن يبلغ ضراراً،  ومعه عمر بن الخطاب، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وطلحة بن عبيد الله ، ونفر من المهاجرين والأنصار ، فلقي أبا خيثمة النجاري قد أرسله خالد ، فلما رآه أبو بكر قال له : ما وراءك يا أبا خيثمة , قال: خير يا خليفة رسول الله ، قد فتح الله علينا اليمامة ، قال: فسجد أبو بكر.
قلت : أي سجد شاكراً لله تعالى على الفتح.
قال أبو خيثمة: وهذا كتاب خالد إليك ، فحمد الله أبو بكر وأصحابه،  ثم قال: أخبرني عن الوقعة كيف كانت ، فجعل أبو خيثمة يخبره كيف صنع خالد , وكيف صف أصحابه ، وكيف انهزم المسلمون ، وما قتل منهم , وجعل أبو بكر يسترجع ويترحم عليهم ، وجعل أبو خيثمة يقول: يا خليفة رسول الله ، أتينا من قبل الأعراب ، انهزموا بنا وعودونا ما لم نكن نحسن ، حتى أظفرنا الله بعد.
 ثم قال أبو بكر : رحمهم الله. ثم قال : كرهت رؤيا رأيتها كراهية شديدة ووقع في نفسي أن خالداً سيلقى منهم شدة ، وليت خالداً لم يصالحهم , وأنه حملهم على السيف ، فما بعد هؤلاء المقتولين يستبقي أهل اليمامة , ولن يزالوا من كذابهم في بلية إلى يوم القيامة , إلا أن يعصمهم الله.

كتاب خالد إلى أبي بكر بعد الصلح :
و ذكر أبي القاسم بن حبيش في A الغزوات  @:: عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي , قال : لما وقع الصلح خاف خالد بن الوليد من عمر بن الخطاب أن يحمل أبا بكر عليه ،  فكتب إلى أبي بكرt كتاب فيه: Aبسم الله الرحمن الرحيم، لأبي بكر خليفة رسول الله  من خالد بن الوليد ، أما بعد فإني أقسم بالله أني لم أصالحهم حتى قتل من كنت أقوى به ، وحتى عجف الكرُاع ، وهلك الخف ، ونُهك المسلمون بالقتل والجراح ، حتى إني لأفعل أموراً أرى أني فيها مغرر ، أباشر القتال بنفسي , حتى ضعف المسلمون، فنهكوا ، حتى إن كنت لأتنكر ثم أدخل بسيفي فرقاً على المسلمين، حتى جاء الله بالظفر , فله الحمد @.
فُسر أبو بكر بذلك ، فدخل عليه عمر بن الخطاب وهو يقرأ كتاب خالد ،  فدفعه إليه فقرأه , فقال : إنما راقب ختونتهم (1)وخالف أمرك ، أو لا ترى إلى ذكره: أنه يباشر القتال بنفسه ، يمن عليك بذلك ، فقال أبو بكر: لا تقل ذلك يا عمر! فإنه والي صدق ، ميمون النقيبة ، ناكئ العدو، وقد كان رسول الله يقدمه ويقربه ، وقد ولاه , فقال عمر: ولاه وخالف أمره , وقتل بدخول الجاهلية , حتى كان ما كان.فقال أبو بكر: دع هذا عنك ، فقال عمر: سمعاً وطاعة.
قدوم خالد ووفد اليمامة إلى المدينة:
قال الواقدي :  أجمع أصحابنا أن خالد بن الوليد- t -قدم المدينة من اليمامة , وقدم بوفد اليمامة سبعة عشر رجلاً من بني حنيفة , فيهم مجاعة بن مراراة وإخوته.

ذكر شهداء في معركة اليمامة :
وعن أبي سعيد الخُدريt قال: قُتِلت الأنصار في مواطن أربعة: سبعين سبعين , يوم أحُد سبعين , ويوم بئر معونة سبعين , ويوم اليمامة سبعين , ويوم جسر أبي عبيد سبعين.
وعن سعيد بن المسيب: قُتِلت الأنصار في مواطن ثلاثة: سبعين سبعين، يوم أحد ، ويوم اليمامة ، ويوم جسر أبي عبيد.
وعن زيد بن طلحة: قتل يوم اليمامة من قريش سبعون ، ومن الأنصار سبعون، وقتل من سائر الناس خمسمائة.
وقال سالم بن عبد الله بن عمر:  قتل يوم اليمامة ستمائة من المهاجرين والأنصار وغير ذلك.
قلت : ذكره أبي القاسم بن حبيش فيAالغزوات @وذكر أبي بشر الدولابي في Aالتاريخ@: عن أبي معشر , قال : كانت موقعة اليمامة في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ، وأميرهم يومئذٍ خالد بن الوليد .

أبي بكر الصديق يوجه خالد إلى بني سُليم :
قال الواقدي : حدثني عبدالله بن الحارث بن الفضيل بن الخعلمي ، عن أبيه ، عن سفيان بن أبي العوجاء السُلمي - وكان عالماً بردة قومه - يعني بني سُليم - مع أنه كان من وعُاة العلم ، وممن يوثق به في الدين-  قال : أهدي ملكُ من ملوك غسان إلى النبي لطيمةً فيها مسكُ، وعنبر وخيل، فخرجت بها الرسُل ، حتى إذا كانوا بأرض بني سُليم ، بلغهم وفاة النبي ،فتآمر بعض بني سُليم عليها , فتشجع بعض بني سُليم على أخذها والردة ، وأبى بعضُ أن يشجع وأن يرتد، وقال : إن كان محمد قد مات فإن الله حي لا يموت.
 فلما ولى أبو بكر كتب إلى معن بن حاجر([4]). فاستعمله على من أسلم من بني سُليم ، وكان قد قام في ذلك قياماً حسناً ، وذكر وفاة رسول الله ، وذكر الناس ما قال الله لنبيه :﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ]الزمر:39[ وقال :   ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ]آل عمران : 3[ . الآية ، والتي قبلها، مع آي من كتاب الله فاجتمع إليه بشر كثير من بني سُليم ، وانحاز أهل الردة من بني سُليم ، فجعلوا يغيرون على الناس , ويقطعون السبيل.
 فلما بدأ لأبي بكر أن يوجه خالد بن الوليد إلى الضاحية كتب إلى معن بن حاجر أن يلحق بخالد بن الوليد بمن معه من المسلمين، ويستعمل على عمله طريفة بن حاجر ، أحد بني خزيمة . 
وعن زيد بن اسلم : أن أبا بكر كتب إلى خالد بن الوليد: « أما بعد فإن أظفرك الله ببني حنيفة ، فأقلل اللبث فيهم حتى تنحدر إلى بني سُليم فتطأهم وطأة يعرفون بها ما منعوا ، فإنه ليس بطن من العرب أنا أغيظ مني عليهم! قدم قادمهم يذكر إسلاماً، ويريد أن أعينه فأعنته بالظهر والسلاح، ثم جعل يعترض الناس! فإن أظفرك الله بهم فلا ألومك فيهم في أن تحرقهم بالنار وتهول فيهم بالقتل حتى يكون نكالاً لهم».
قالوا: فجعل خالد بن الوليد يبعث الطلائع أمامه , وسمعت بنو سُليم بمقبل خالد بن الوليد ، فاجتمع منهم بشر كثير ، وجُلهم بنو عُصية، واجتمعوا يعترضون لخالد بن الوليد ،  واستجلبوا من بقي من العرب مرتداً،  وكان الذي جمعهم: أبو شجرة بن عبد العزى، فانتهى خالد بن الوليد إلى جمعهم بالجواء مع الصبح، فصاح خالد بن الوليد في أصحابه وأمرهم بلبس السلاح، ثم صف أصحابه ، وصفت بنو سُليم، وقد كل المسلمون , وعجف كراعهم وخفهم ، وجعل خالد بن الوليد  يلى القتال بنفسه حتى أثخن فيهم القتل، ثم حمل عليهم حملة واحدة فهربوا ، وأسر منهم بشر كثير، فجعل يضرب أحدهم على عاتقه فيجز له باثنين ويبدو سحَرهُ , ويضرب الآخر من وسطه، وعن سفيان بن أبي العوجاء : أن خالد بن الوليد  حظّر لهم حظائر فحرقهم فيها بالنار، فكان ممن أحرق يومئذٍ : هبيرة بن المرداس , وسُراقة بن المرداس، وخميصةُ بن ضرار بن أبي عامر، وابن خلف بن مُرة بن جارية، في بشر كثير منهم ، وأعجزه الآخرون، وكان يومئذٍ أبو شجرة قد أصاب في المسلمين وجرح جراحات كثيرة .
فلما قدم خالد على أبي بكر كان أول ما سأل عنه خبر بني سُليم، فأخبره خالد، فحمد الله وأثنى عليه.
قلت: ذكره أبي القاسم بن حُبيش في كتابه Aالغزوات@.

خالد بن الوليد إلى العراق ثم الشام :
ذكر أبو جعفر الطبري في Aتاريخه @: - في سنة اثنتين عشرة من الهجرة - ولما فرغ خالد من أمر اليمامة ، كتب إليه أبو بكر الصديق t ، وخالد مقيم باليمامة، فيما حدثنا عبد الله بن سعد الزهري، قال : أخبرنا عمي ، قال : أُخبر سيف بن عمر ، عن عمرو بن محمد، عن الشعبي : أن سرّ إلى العراق حتى تدخلها وأبدأ بفرج الهند ، وهي الأُبلة ، وتألف أهل فارس ، ومن كان في ملكهم من الأمم .
وقال الطبري : حدثني عمر بن شبة ، قال : حدثنا علي بن محمد بالإسناد الذي قد تقدم ذكره ، عن القوم الذين ذكرتهم فيه ، أن أبا بكر t وجه خالد بن الوليد إلى أرض الكوفة ، وفيها المثنى بن حارثة الشيباني، فسار في المحرم سنة اثنتي عشرة فجعل طريقه البصرة ، وفيها قُطبة بن قتادة السدوسي.
قال أبو جعفر : وأما الواقدي ، فإنه قال: أختلف في أمر خالد بن الوليد، فقائل يقول: مضى من وجهه ذلك من اليمامة إلى العراق ، وقائل يقول: رجع من اليمامة، فقدم المدينة ، ثم سار إلى العراق من المدينة على طريق الكوفة، حتى انتهى إلى الحيرة.
وقال الطبري : حدثنا حُميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن صالح بن كيسان ، أن أبا بكر t كتب إلى خالد بن الوليد يأمره أن يسير إلى العراق، فمضى خالد يريد العراق ، حتى نزل بقريات من السواد ، يقال لها: بانقيا وباروسما وأليس ، فصالحه أهلها، وكان الذي صالحه عليها ابن صَلوبا، وذلك في سنة اثنتي عشرة ، فقبل منهم خالد الجزية , وكتب لهم كتاباً فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من خالد بن الوليد لابن صلوبا السوادي، - ومنزله بشاطئ الفرات - إنك آمن بأمان الله - إذ حقن ذمه بإعطاء الجزية - وقد أعطيت عن نفسك , وعن أهل خرجك وجزيرتك , ومن كان في قريتك  بانقيا وباروسما - ألف درهم - فقبلتها منك ، ورضي من معي من المسلمين بها منك ، و لك ذمة الله وذمة محمد ، وذمة المسلين على ذلك ، وشهد هشام بن الوليد .
ثم أقبل خالد بن الوليد بمن معه حتى نزل الحيرة ، فخرج إليه أشرافهم مع قبيصة بين إياس بن حَّية الطائي - وكان أمره عليها كسرى بعد النعمان بن المنذر- فقال له خالد  ولأصحابه : أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام ، فإن أجبتم إليه فأنتم من المسلمين ، لكم ما لهم وعليكم ما عليهم ، فإن أبيتم فالجزية ، فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة ، جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم .
فقال له قبيصة بن إياس : ما لنا بحربك من حاجة، بل نقيم على ديننا، ونعطيك الجزية ، فصالحهم على تسعين ألف درهم. فكانت أول جزية وقعت بالعراق ، هي القريات التي صالح عليها ابن صلوبا .
قال أبو جعفر: وأما هشام بن الكلبي ، فإنه قال : لما كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد ، وهو باليمامة أن يسير إلى الشام، أمره أن يبدأ بالعراق فيمر بها ، فأقبل خالد منها يسير حتى نزل البناج .
قال هشام :قال أبو مخنف : فحدثني أبو الخطاب حمزة بن علي، عن رجل من بكر بن وائل ، أن المثنى بن حارثة الشيباني ، سار حتى قدم على أبي بكر t  فقال: أمرني على من قبلي من قومي ، أقاتل من يليني من أهل فارس، وأكفيك ناحيتي، ففعل ذلك ، فأقبل فجمع قومه وأخذ يغير بناحية كسكر مرة ، وفي أسفل الفرات مرة ، ونزل خالد بن الوليد البناج والمثنى بن حارثة بخفان معسكر ، فكتب إليه خالد بن الوليد ليأتيه ، وبعث إليه بكتاب من أبي بكر يأمره فيه بطاعته ، فانقض إليه جواداً حتى لحق به، وقد زعمت بنو عجل أنه كان خرج مع المثنى بن حارثة رجل منهم يقال له : مذعور بن عدي ، نازع المثنى بن حارثة ، فتكاتبا إلى أبي بكر ، فكتب أبو بكر إلى العجلي يأمره بالمسير مع خالد إلى الشام . وأقر المثنى على حاله ، فبلغ العجليَّ مصر، فشرف بها وعظم شأنه، فداره اليوم بها معروفة، وأقبل خالد بن الوليد يسير ، فعرض له جابان صاحب أليس ، فبعث إلى المثنى بن حارثة ، فقاتله فهزمه ، وقتل جُل أصحابه ، إلى جانب نهرٍ ثم يُدعى نهر دم لتلك الوقعة، وصالح أهل أليس ، وأقبل حتى دنا من الحيرة ، فخرجت إليه خيول آزاذبه صاحب خيل كسرى التي كانت في مسالح ما بينه وبين العرب ، فلقوهم بمجتمع الأنهار ، فتوَّجه إليهم المثنى بن حارثة، فهزمهم الله .

خالد يدعو أهل الحيرة إلى الإسلام :
ولما رأى ذلك أهل الحيرة خرجوا يستقبلونه ، فيهم عبد المسيح بن عمر بن بُقيلة، وهانئ بن قبيصة ، فقال خالد لعبد المسيح : من أين أثرك؟ قال: من ظهر أبي ، قال: من أين خرجت؟ قال: من بطن أمي ، قال: ويحك! علي أي شيء أنت؟قال: على الأرض ،قال: ويلك! في أي شيء أنت؟قال: في ثيابي , قال: ويحك! تعقل؟قال: نعم وأقيد ، قال: أنما أسألك ، قال: وأنا أجيبُك ، قال: أسلم أنت أم حرب؟ قال: سِلمُ ، قال: فما هذه الحصون التي أرى؟ قال: بنيناها للسفيه نحبسه حتى يجئ الحليم فينهاه .
ثم قال لهم خالد : إني أدعوكم إلى الله ، وإلى عبادته , وإلى الإسلام، فإن قبلتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا ، وإن أبيتم فالجزية ، وإن أبيتم ، فقد جئناكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم شرب الخمر .
فقالوا: لا حاجة لنا في حربكم ، فصالحهم على تسعين ومائة ألف درهم، فكانت أول جزية حملت إلى المدينة من العراق ، ثم نزل على بانقيا ، فصالحه بصبهري ابن صوبا على ألف درهم وطيلسان ، وكتب لهم كتاباً، وكان صالح خالد أهل الحيرة على أن يكون له عيوناً، ففعلوا .
كتاب خالد لأهل فارس :
قال هشام عن أبي محنف ، قال : حدثني المجالد بن سعيد عن الشعبي ، قال: أقراني بنو بقيلة كتاب خالد بن الوليد إلى أهل المدائن : «من خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس ، سلام على من اتبع الهدى، فالحمد لله الذي فض خدمتكم ، وسلب ملككم ووهن كيدكم، وإنه من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له مالنا ، وعليه ما علينا، أما بعد، فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إليَّ بالرُهن ، واعتقدوا مني الذمة، وإلا فو الذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوماً يحبون الموت كما تحبون الحياة ».
فلما قرؤوا الكتاب ، أخذوا يتعجبون ، وذلك سنة اثنتي عشرة .
رواية أخرى :
قال أبو جعفر: وأما غير ابن إسحاق ، وغير هشام ومن ذكرت قوله من قبل، فإنه قال في أمر خالد ومسيره إلى العراق ما حدثنا عبيد الله بن سعد الزهري، قال: حدثني عمي ، عن سيف بن عمر ، عن عمرو بن محمد ، عن الشعبي ، قال: لما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة ، كتب إليه أبو بكر t: إن الله فتح عليك فعارق حتى تلقى عياضاً، وكتب إلى عياض بن غنم وهو بين البناج والحجاز: أن سرَّ حتى تأتي المصبح فابدأ بها ، ثم أدخل العراق من أعلاها، وعارق حتى تلقى خالداً، وأذنا لمن شاء بالرجوع ، ولا تستفتحا بمتكارهٍ.
ولما قدم الكتاب على خالد وعياض ، وأذنا في القفل عن أمر أبي بكر قفل أهل  المدينة وما حولها وأعروهما ، فاستمدا أبا بكر ، فأمر أبو بكر خالداً بالقعقاع بن عمرو التميمي ، فقيل له : أتمد رجلاً قد أرفض عنه جنوده برجل! فقال : لا يهزم جيش فيهم مثل هذا ، وأمر عياضاً بعبد بن عوف الحميري، وكتب إليهما أن استنفر من قاتل أهل الردة، ومن ثبت على الإسلام بعد رسول الله ، ولا يغزون معكم أحد أرتد حتى أرى رأيي ، فلم يشهد الأيام مرتد.
فلما قدم الكتاب على خالد بتأمير العراق ، كتب إلى حرملة وسُلمَى والمثنى ومذعور باللحاق به ، وأمرهم أن يواعدوا جنودهم الأبلة، وذلك  أن أبا بكر أمر خالد في كتابه: إذا دخل العراق أن يبدأ بفرج أهل السند والهند - وهو يومئذٍ الأبلة- ليوم قد سماه ثم حشر من بينه وبين العراق ، فحشر ثمانية آلاف من ربيعة ومضر إلى ألفين كانا معه فقدم في عشرة آلاف على ثمانية آلاف ممن كان مع الأمراء الأربعة - يعني بالأمراء الأربعة: المثنى ، ومذعوراً ،  وسُلمى، وحرملة - فلقي هُرمُزَ في ثمانية عشر ألفاً.
وعن سيف ، عن المهلب الأسدي عن عبد الرحمن بن سياه ، وطلحة بن الأعلم، عن المغيرة بن عتيبة، قالوا: كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد ، وإذ أمرّه على حرب العراق ، أن يدخلها من أسفلها ، وإلى عياض إذ أمره على الحيرة ، فأيهما سبق إلى الحيرة فهو أمير على صاحبه ، وقال: إذا اجتمعتما بالحيرة ، وقد فضضتما مسالح فارس وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم ، فليكن أحدكما ردءاً للمسلمين ولصاحبه بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدو الله وعدوكم من أهل فارس , دارهم ومستقر عزهم المدائن .
وعن سيف ، عن المجالد ، وعن الشعبي قال: كتب خالد إلى هُرمُز قبل خروجه مع آزاذبة - أبي الزياذبة الذين باليمامة وهُرمُز صاحب الثغر يومئذٍ: أما بعد: فأسلم تسلم ، أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة ،  وأقرر بالجزية، وإلاَّ فلا تلومنَّ إلاَّ نفسك فقد جئتك بقومٍ يحبون الموت كما تحبون الحياة.
قال سيف ، عن طلحة بن الأعلم ، عن المغيرة بن عتيبة- وكان قاضي أهل الكوفة- قال: فرّق خالد مخرجه من اليمامة إلى العراق جنده ثلاث فرق ، ولم يحملهم على طريقة واحدة، فسرَّح المثنى قبله بيومين ودليله ظفر ، وسرح عدي بن حاتم , وعاصم بن عمرو , و دليلاهما مالك بن عباد ، وسالم بن نصر أحدهما قبل صاحبه بيوم ، وخرج خالد ودليله رافع، فواعدهم جميعاً الحفير ليجتمعوا به ,  وليصادموا به عدوهم ، وكان فرج الهند أعظم فروج فارس شأناً , وأشدها شوكةً، وكان صاحبه يحارب العرب في البرّ , والهند في البحر.                                                                                                                قال: وشاركه المهلب بن عقبة ، وعبد الرحمن بن سياه الأحمري، الذي تنسب إليه الحمراء ، فيقال : حمراء سياه ، لما قدم كتاب خالد على هُرمُز كتب بالخبر إلى شيرى بن كسرى , وإلى أردشير بن شيرى , وجمع جموعه ثم تعجل إلى الكواظم في سرعان أصحابه ليتلقى خالداً، وسبق حلبته فلم يجد طريق خالد، وبلغه أنهم تواعدوا الحفير، فعاج يبادره إلى الحفير فنزله، فتعبى به ، وجعل على مجنبته أخوين يلاقيان أردشير وشيرى إلى أردشير الأكبر، يقال لهما: قباد وأنو شجان , واقترنوا في السلاسل، فقال من لم يرَ ذلك لمن رآه: قيدتم أنفسكم لعدوكم ، فلا تفعلوا ، فإن هذا طائر سوء ، فأجابوهم , وقالوا: أما أنتم فتحدثوننا أنكم تريدون الهرب ، فلما أتى الخبر خالداً بأن هُرمُز في الحفير أمال الناس إلى كاظمة ، وبلغ هُرمُز ذلك ، فبادره إلى كاظمة فنزلها وهو حسير، وكان من أسوأ أمراء ذلك الفرج جواراً للعرب ، فكل العرب عليه مغيظ ، وقد كانوا ضربوه مثلاً في الخبث , حتى قالوا: أخبث من هُرمُز وأكفر من هُرمُز ، وتعبأ هُرمُز وأصحابه واقترنوا في السلاسل ، والماء في أيديهم ، وقدم خالد عليهم ، فنادى: ألا أنزلوا وحطوا أثقالكم ، ثم جالدوهم على الماء , فلعمري ليصيرن الماء لأصبرا الفريقين , وأكرم الجندين، فحطت الأثقال والخيل وقوف ، وتقدم الرجل، ثم زحف إليهم حتى لاقاهم، فاقتتلوا، وأرسل الله سحابةً فأغزرت ما وراء صف المسلمين، فقواهم بها، وما ارتفع النهار وفي الغائط مقترن .
وعن سيف ، عند عبد الملك بن عطاء البكائي ، عن المقطع بن الهيثم البكائي بمثله.

خالد يقتل هُرمُز :
وقالوا: وأرسل هُرمُز أصحابه بالغدِ ليغدروا بخالد , فواطؤوه على ذلك ، ثم خرج هُرمُز ، فنادى رجلُ ورجلُ:أين خالد؟ وقد عهد إلى فرسانه عَهدَه ، فلما نزل خالد هُرمُز ، ودعاه إلى النزال فنزل خالد فمشى إليه، فالتقيا فاختلفا ضربتين، واحتضنه خالد ، وحملت حامية هُرمُز وغدرت ، فاستلحوا خالداً ، فما شغله ذلك عن قلته ، وحمل القعقاع بن عمرو , واستلحم حماة هُرمُز فأناموهم ، وإذا يماصعهم، وانهزم أهل فارس ، وركب المسلون أكتافهم إلى الليل ، وجمع خالد الرثاث وفيها السلاسل ، فكانت وقر بعيرٍ، ألف رطل فسميت ذات السلاسل ، وأفلت قُباذ وأنو شجان .
ونقل عن الشعبي قال : كان أهل فارس يجعلون قلانسهم على قدر أحسابهم في عشائرهم ، فمن تم شرفه فقيمه قلنسوته مائة ألف ، فكان هُرمُز ممن تم شرفه، فكانت قيمتها مائة ألف، فنفلها أبو بكر خالداً ، وكانت مفصصة بالجوهر، وتمام شرف أحِدهم، أن يكون من بيوتات .
خالد يبعث بالفتح :
وعن سيف ، عن محمد بن نويرة ، عن حنظلة بن زياد بن حنظلة ، قال: لما تراجع الطلب من ذلك اليوم ، نادى منادي خالد بالرحيل ، وسار بالناس ، واتبعته الأثقال ، حتى ينزل بموضع الجسر الأعظم من البصرة اليوم ، وقد أفلت قباذ وأنو شجان.
وبعث خالد بالفتح وما بقي من الأخماس وبالفيل ، وقراء الفتح على الناس.
ولما قدم زر بن كليب بالفيل مع الأخماس ، فطيف به في المدينة ليراه الناس، جعل ضعيفات النساء يقلن: أمن خلق الله ما نرى ، ورأينه مضوعاً ، فرده أبو بكر مع زِرّ.
خبر مقتل قُباذ وانو شجان :
عن سيف ، عن المهلب بن عقبة , وزياد بن سرجس الأحمري ، وعبد الرحمن بن سياه الأحمري ، وسفيان الأحمري , قالوا : وقد كان هُرمُز كتب إلى أردشير وشيرى بالخبر بكتاب خالد إليه بمسيره من اليمامة نحوه، فأمده بقارن بن قريانس، فخرج قارن من المدائن ممداً لهُرمز ، حتى إذا انتهى إلى المذار بلغته الهزيمة، وانتهت إليه الفُلال فتذامروا ، وقال فُلال الأهواز، وفارس لفُلال السواد والجبل: إذا افترقتم لم تجتمعوا بعدها أبداً ، فاجتمعوا على العودة مرة واحدة ، فهذه مدد الملك وهذا قارن ، لعل الله يديلنا ويشفينا من عدونا وندرك بعض ما أصابوا منا.ففعلوا وعسكر بالمذار، واستعمل قارن على مجنبته قُباذ وأنو شجان وأرز المثنى والمعنّى إلى خالد بالخبر ، ولما انتهى الخبر إلى خالد عن قارن قسم الفيء على ما أفاءه الله عليه، ونقل من الخُمس ما شاء الله ، وبعث ببقيته وبالفتح إلى أبي بكر، وبالخبر عن القوم وباجتماعهم إلى الثني المغيث والمغاث ، مع الوليد بن عقبة - والعرب تسمى كل نهر الثني - وخرج خالد سائراً حتى ينزل المذار على قارن في جموعه، فالتقوا وخالد على تعبيته، فاقتتلوا على حنقٍ وحفيظة ، وخرج قارن يدعو للبراز، فبرز له خالد وأبيض الركبان معقل بن الأعشى بن النباش ، فابتدراه فسبقه إليه معقل ، فقتله وقتل عاصم الأنو شجان، وقتل عدي قُباذ، وكان شرف قارن قد انتهى، ثم لم يقاتل المسلمون بعده أحداً انتهى شرفه في الأعاجم، وقُتلت فارس مقتلة عظيمة ، فضموا السُفن، ومنعت وسّلم الأسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت وقسم الفيء , ونقل من الأخماس أهل البلاء , وبعث ببقية الأخماس، ووفد وفداً مع سعيد بن النعمان أخي بني عدي بن كعب.
وعن سيف، عن محمد بن عبدالله، عن أبي عثمان قال : قتل ليلة المذار ثلاثون ألفاً سوى من غرق، ولولا المياه لأتي على آخرهم ، ولم يفلت منهم من أفلت إلا عُراة وأشباه العُراة .
قال سيف ، عن عمرُو والمجالد، عن الشعبي ، قال : كان أول من لقي خالد مهبطهُ العراق هُرمُز بالكواظم ، ثم نزل الفرات بشاطئ دجلة ، فلم يلقَ كيداً، وتبجح بشاطئ دجلة ، ثم الثني ، ولم يلقَ بعد هُرمُز أحداً إلا كانت الوقعة الآخرة أعظم من التي قبلها، حتى أتى دومة الجندل ، وزاد سهم الفارس في يوم الثني على سهمه في ذات السلاسل .
فأقام خالد بالثني يسبي عيالات المقاتلة ومن أعيانهم، وأقرَّ الفلاحين ومن أجاب إلى الخراج من جميع الناس بعد ما دعوا، وكل ذلك أخُذ عنوة , ولكن دعوا إلى الجزاء ، فأجابوا وتراجعوا ، وصاروا دمة ، وصارت أرضهم لهم، كذلك جرى ما لم يقسم، فإذا أقسم فلا.
وكان في السبي حبيب أبو الحسن - يعني والد الإمام الحسن البصري - وكان نصرانياً ، ومنافنة مولى عثمان ، وأبو زياد مولى المغيرة بن شعبة .
وأمر على الجند سعيد بن النعمان ، وعلى الجزاء سُويد بن مقرن المزني ، وأمره بنزول الحفير، وأمره ببث عماله ووضع يده في الجباية، وأقام لعدو يتحسس الأخبار .
وعن سيف ، عن عمرو والمجالد ، عن الشعبي ، قال لما فرغ خالد من الثني وأتى الخبر أردشير بعث الأندر زغر ، وكان فارسياً من مولدي السواد.

خيبر يوم الولجة :
وعن سيف ، عن المهلب بن عقبة , وزياد بن سرجس ، وعبد الرحمن بن سياه , قالوا: لما وقع الخبر بأردشير بمصاب قارن وأهل المذار ، أرسل الأندر زغر، - وكان فارسياً من مولاي السواد وتُنائهم ، ولم يكن ممن ولد في المدائن ولا نشأ بها- وأرسل بهمن جاذوية في أكثر من جيش ، وأمره أن يعتبر طريق الأندر زغر، وكان الأندر زغر قبل ذلك على فرج خُراسان ، فخرج الأند ر زغر سائراً من المدائن حتى أتى كسكر ، ثم جازها إلى الولجة، وخرج بهمن جاذويه في أثره، وأخذ غير طريقه، فسلك وسط السواد، وقد حشر إلى الأندر زغر من بين الحيرة وكسكر من عرب الضاحية , والدها قين فعسكروا إلى جنب عسكره الأندر زغر ونزوله الولجة ، نادى بالرحيل ، وخلف سويد بن مقرن ، وأمره بلزوم الحفير ، وتقدم إلى من خلف على أندر زغر وجنوده , ومن تأشبّ إليه ، فاقتتلوا قتالاً شديداً, وهو أعظم من قتال الثني .            وعن سيف عن محمد بن أبي عثمان، قال : نزل خالد على الأندر زغر بالولجة في صغر، فاقتتلوا بها قتالاً شديداً ، حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ ، واستبطأ خالد كمينه.
وكان قد وضع لهم كميناً في ناحيتين ، عليهم بُسر بن أبي رهم، وسعيد بن مرة العجلي، فخرج الكمين في وجهين ، فانهزمت صفوف الأعاجم وولوا، فأخذهم خالد من بين أيدهم والكمين من خلفهم ، فلم يرَ رجل منهم مقتل صاحبه ، ومضى الأندر زغر في هزيمته ، فمات عطشاً .
وقام خالد في الناس خطيباً يرَّغبهم في بلاد العجم ، ويزهدهم في بلاد العرب، وقال: ألا ترون إلى الطعام كرفغ التراب ، وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله عز وجل , ولم يكن إلا المعاش ، لكن الرأي أن نقارع على الريف حتى نكون أولى به ، ونولي الجوع والإقلال من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه.
وسار خالد في الفلاحين بسيرته فلم يقتلهم، وسبى ذراري المقاتلة , ومن أعانهم ، ودعا أهل الأرض إلى الجزاء والذمة ، فتراجعوا .
وعن سيف , عن عمرو، عن الشعبي قال : بارز خالد يوم الولجة رجلاً من أهل فارس يعدل بألف رجل فقتله، فلما فرغ اتكأ عليه ، ودعا بفدائه، وأصاب في أناس من بكر بن وائل ابناً لجابر بن بجير , وابناً لعبد الأسود .



خبر وقعة ألُيّس وهي على صلب الفرات:
وعن سيف ، عن محمد بن عبد الله , عن أبي عثمان، وطلحة بن الأعلم، عن المغيرة بن عتبة , قالا: ولما أصاب خالد يوم الولجة من أصاب من بكر بن وائل من نصاراهم الذين أعانوا أهل فارس , غضب لهم نصارى قومهم ، فكاتبوا الأعاجم , وكاتبتهم الأعاجم فاجتمعوا إلى أُليّس ، وعليهم عبد الأسود العجلي، وكان أشد الناس على أولئك النصارى مسلمو بني عجل ، عتيبة بن النهاس ، وسعيد بن مرة ، وفرات بن حيان , والمثنى بن لاحق ، ومذعور بن عدي ، وكتب أردشير إلى يهمن جاذويه ، وهو بقسيانا - وكان رافد فارس في يوم من أيام شهرهم وبنو شهورهم كل شهر على ثلاثين يوماً ، وكان لأهل فارس في كل يوم رافد قد نصب لذلك ، يرفدهم عند الملك، فكان رافدهم بهمن روز -أن سِر حتى تقدم ألُيَس بجيشك إلى من اجتمع بها من فارس ونصارى العرب.
فقدم بهمن جاذويه جابان وأمره بالحث ، وقال : كفكف نفسك وجندك من قتال القوم , متى ألحق بك إلا أن يجعلوك .
فسار جابان نحو أُليَس، وانطلق بهمن جاذوية إلى أردشير ليحدث به عهداً ، ويستأمره فيما يريد أن يشير به، فوجده مريضاً ، فخرج عليه، وأخلى جابان بذلك الوجه، ومضى حتى أتى ألُيَس ، فنزل بها في صفر، واجتمعت إليه المسالح التي كانت بإزاء العرب , وعبد الأسود في نصارى العرب من بني عجل وتيم واللات وضبيعة وعرب الضاحية من أهل الحيرة، وكان جابر بن بجير نصرانياً ، فساند عبد الأسود ، وقد كان خالد بلغه تجمع عبد الأسود وجابر وزهير ونصاراهم ، فأقبل فلما طلع على جابان بألُيَس ، قالت الأعاجم لجابان: انعالجهم أم نغدي الناس ، ولا نريهم أنا سيعجلونكم , ويعجلونكم عن الطعام.
فعصوه وبسطوا البُسط ووضعوا الأطعمة ، وتداعوا إليها وتوافوا عليها.
فلما انتهى خالد إليهم ، وقف وأمر بحط الأثقال , فلما وضعت توجه إليهم ، ووكل خالد بنفسه حوامي يحمون ظهره ، ثم بدر أمام الصف ، فنادى: أني أبجر؟ أين عبد الأسود ؟ أين مالك بن قيس؟ رجل من جذرة ، فنكلوا عنه جميعاً إلا مالكاً ، فبرز له فقال له خالد : يابنَ الخبيثة ، ما جَّرأك عليَّ من بينهم وليس فيك وفاء! فضربه فقلته ، وأجهض الأعاجم عن طعامهم قبل أن يأكلوا ، فقال جابان: ألم أقل لكم يا قوم  , أما والله ما دخلتني من رئيس وحشة قط حتى كان اليوم ، فقالوا: حيث لم يقدروا على الأكل تجلداً ندعها حتى نفرغ منهم ونعود إليها، فقال جابان:وأيضاً أظنكم والله لهم وضعتموها وأنتم لا تشعرون ، فالآن فأطيعوني ، سموها، فإن كانت لكم فأهون هالكٍ، وإن كانت عليكم كنتم قد صنعتم شيئاً ، وأبليتم عذراً , فقالوا : لا ، اقتدراً عليهم .
فجعل جابان على مجنبته عبد الأسود وأبجر ، وخالد على تعبئته في الأيام التي قبلها ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، والمشركون يزيدهم كلباً وشدةً , ما يتوقعون من قدوم بهمن جاذويه , الذي كان في علم الله أن يصيرهم إليه، وحرب المسلمون عليهم، وقال خالد: اللهم إن لك عليَّ إن منحتنا أكتافهم ألا استبقي منهم أحداً قدرنا عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم.
ثم إن الله عز وجل كشفهم للمسلمين , ومنحهم أكتافهم فأمر خالد مناديه ، فنادى في الناس: الأسر ، الأسر ، لا تقتلوا إلا من امتنع ، فأقبلت الخيول بهم أفواجاً مستأسرين يساقون سوقاً ، وقد كَلّ بهم رجالاً يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يوماً وليلة ، وطلبوهم الغد وبعد الغد ، حتى انتهوا إلى النهرين ، ومقدار ذلك كل جوانب أُليَس.فضرب أعناقهم , وقال له القعقاع وأشباه له: لو أنك قتلت أهل الأرض تجر دماؤهم ، إن الدماء لا تزيد على أن ترقرق منذ نُهيت عن السيلان، ونُهيت الأرض عن نشف الدماء، فأرسل عليها الماء تبر يمينك .
وقد كان صد الماء عن النهر فأعاده ، فجرى دماً عبيطاً فسمي نهر الدم لذلك الشأن إلى اليوم .
وقال آخرون منهم بشير بن الخصاصة قال : وبلغنا أن الأرض لما نشفت دم ابن آدم نهيت عن نشف الدماء ، ونهي الدم عن السيلان إلا مقدار برده.
ولما هٌزم القوم وأجلوا عن عسكرهم ، ورجع المسلمون من طلبهم ودخلوه، وقف خالد على الطعام ، فقال : قد نفلتكموه فهو لكم.
وقال : كان رسول الله  إذا أتى على طعام مصنوع نفله.فقعد عليه المسلمون لعشائهم بالليل، وجعل من لهم يَر الأرياف ولا يعرف الرقاق يقول: ما هذه الرقاق البيض! وجعل من قد عرفها يجيبهم ، ويقول لهم مازحاً: هل سمعتم برقيق العيش؟فيقولون : نعم ، فيقول : هو هذا ، فسمي الرقاق ، وكانت العرب تسميه القرَى .
وعن سيف عن طلحة، عن المغيرة ، قال: كانت على النهر أرحاء، فطحنت بالماء ، وهو أحمر قوت العسكر ، ثمانية عشر ألفاً أو يزيدون , ثلاثة أيام.
وبعث خالد بالخبر مع رجل يدعى جَندَلا من بني عجل، وكان دليلاً صارماً، فقدم على أبي بكر بالخبر، وبفتح أُلَّيس ، وبقدر الفيء وبعدة السبي ، وبما حصل من الأخماس، وبأهل البلاء من الناس، فلما قدم على أبي بكرt ، فرأى صرامته وثبات خبره ، قال: ما أسمك؟ قال: جَندَل ، قال: وبها جندل.
نَفسُ عِصامٍ سَوَّدَتْ عِصامَا              وَعَوَّدَتْهُ الكَّر وَالإِقْدامَا
وأمر له بجارية من ذلك السبي ، فولدت له .
قال: وبلغت قتلاهم من أُلَّيس سبعين ألفاً جُلهَم من أمغيشيا .
قال أبو جعفر : قال لنا عبيد الله بن سعد : قال عمّي: سألت عن أمغيشيا بالحيرة , فقيل لي : مَغِيشيَا ، فقلت لسيف: فقال هذانِ اسمان .

خبر دخول خالد أمغيشيا:
كان ذلك في صفر سنة اثنتي عشرة ، وأفاءها الله عز وجل بغير خيل .         عن سيف ، عن محمد، عن أبي عثمان وطلحة ، عن المغيرة ، قال : لما فرغ خالد من وقعة أُلَّيس ، نهض فأتى أمغيشيا ، وقد أعجلهم عما فيها ، وقد جلا أهلها، وتفرقوا في السواد ، ومن يومئذٍ صارت السكرات في السواد ، فأمر خالد بهدم أمغيشيا وكل شيء كان في حيزها ، وكانت مِصراً كالحيرة، وكان فرات بادقلى ينتهي إليها ، وكانت أُلَّيس من مسالحها ، فأصابوا فيها ما لم يصيبوا مثله قط.
قال أبو جعفر الطبري فيA تاريخه@ : كتب إليّ السري ، عن شعبي ، عن سيف ، عن بحر بن الفرات العجلي ، عن أبيه ، قال: لم يصب المسلمون فيما بين ذات السلاسل وأمغيشيا مثل شيء أصابوه في أمغيشيا ، بلغ سهم الفارس ألفاً وخمسمائة، سوى النفل الذي نفله أهل البلاء .
وقالوا جميعاً :قال أبو بكر t حين بلغه ذلك: يا معشر قريش- يخبرهم بالذي أتاه: غداً أسدُكم على الأسد فغلبه على خراذ يله، أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد!
 وذكر ابن الأثير في Aالكامل في التاريخ@ : فلما بلغ ذلك أبا بكر - يعني وقعة أمغيشيا- قال: عجز النساء أن يلدنَّ مثل خالد.
ذكر وقعة يوم فرات بادقلى وفتحه الحيرة :
وذكر ابن الأثير في الكامل : ثم سار خالد من أمغيشيا إلى الحيرة ، وحمل الرحال والأثقال في السفن، فخرج مرزبان الحيرة ، وهو الأزاذبة فعسكر عن الغريين ، وأرسل ابنه فقطع الماء عن السفن فبقيت على الأرض ، فسار خالد في نحو ابن الأزاذبة فلقيه على فرات بادقلى ، فضربه وقتله , وقتل أصحابه وسار نحو الحيرة ، فهرب منه الأزاذبة ، وكان قد بلغه موت أردشير وقتل ابنه، فهرب بغير قتال ، ونزل المسلمون عن الغريين ، وتحصن أهل الحيرة فحصرهم في قصورهم.
وكان ضرار بن الخطاب محاصراً القصر الأبيض، وفيه إياس بن قبيصة الطائي، وكان ضرار محاصراً قصر الغريين فيه عدي بن عدي المقتول، وكان ضرار بن مقرن المزني عاشر عشرة أخوة محاصراً قصر ابن مازن , وفيه ابن أكال ، وكان المثنى محاصراً قصر ابن بُقيلة وفيه عمرو بن عبد المسيح بن بُقيلة فدعوهم جميعاً وأجلوهم يوماً وليلة ، فأبى أهل الحيرة ، وقاتلهم المسلمون فافتتحوا الدور والديرات وأكثروا القتل .
فنادى القسيسون والرهبان : يا أهل القصور ما يقتلنا غيركم! فنادى أهل القصور المسلمين: قد قبلنا واحدة من ثلاث : وهي إما الإسلام أو الجزية , أو المحاربة، فكفوا عنهم ، وخرج إليهم إياس بن قبيصة ، وعمرو بن عبد المسيح بن قيس بن حبان بن الحارث ، وهو بُقيلة، وإنما سمي بُقيلة لأنه خرج على قومه في بردين أخضرين .
فقالوا: ما أنت إلا بُقيلة خضراء ، فأرسلوهم إلى خالد، فكان الذي يتكلم عنهم عمرو بن عبد المسيح ، فقال له خالد: كم أتى عليك؟قال: مئو سنين ,
قال: فما أعجب ما رأيت ؟, قال : رأيتُ القرى منظومة ما بين دمشق والحيرة تخرج المرأة فلا تتزود إلا رغيفاً ، فتبسم خالد وقال لأهل الحيرة : ألم يبلغني أنكم خبثة خدعة، فما بالكم تتناولون حوائجكم بخرفٍ لا يدري من أين جاء؟ فأحب عمرو أن يريه من نفسه ما يعرف به عقله وصحة ما حدثه به ، قال: وحقك إني لأعرف من أين جئت! قال: فمن أين خرجت؟قال: من بطن أمي.قال: فأين تريد؟ قال أمامي.قال: ما هو؟ قال : الآخرة. قال: فمن أين أقصى أثرك ؟ قال: من صلب أبي؟ قال: ففيم أنت ؟ قال: في ثابي.قال: أتعقل؟ قال: إي والله وأقيد . قال خالد : إنما أسالك ! قال: فأنا أجيبك . قال: أسلمُ أنت أم حرب ؟ قال: بل سلم ، قال : فما هذه الحصون ؟ قال : بنيناها للسفيه نحبسه حتى ينهاه الحليم . قال خالد : قلت أرض جاهلها ، وقتل أرضاً عالمها القوم أعلم بما فيهم.
وكان مع ابن بُقيلة خادم معه كيس فيه سم ، فأخذه خالد ونثره في يده وقال : لمَِ تستصحب هذا؟قال: خشيت أن تكونوا على غير ما رأيت فكان الموت أحبّ إليَّ من مكروه أدخله على قومي.فقال خالد: إنها لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها، وقال: بسم الله، خير الأسماء ، رب الأرض والسماء ، الذي لا يضر مع اسمه داء ، الرحمن الرحيم ، وابتلع السُم ، فقال ابن بُقيلة : والله لتبلغن ما أردتم مادام أحد منكم هكذا.
وأبى خالد أن يصالحهم إلا على تسليم كَرامة بنت عبد المسيح إلى شويل ، فأبوا ، فقالت لهم : هونوا عليهم وأسلموني فإني سأقتدي ، ففعلوا ، فأخذها شويل ، فاقتدت منه بألف درهم، فلامه الناس ، فقال : ما كنت أظن أن عدداً أكثر من هذا.
وكان سبب تسليمها إليه أن النبي ، ولما ذكر استيلاء أمته على ملك فارس والحيرة ، سأله شويل أن يعطى كرامة ابنة عبد المسيح ، وكان رآها شابة فمال إليها، فوعده النبي أن يسلمها إليه، فسلمها إليه خالد .
وصالحهم على مائة ألف وتسعين ألفاً ، وقيل: على مائتي ألف وتسعين ألفاً ، وأهدوا له هدايا ، فبعث بالفتح والهدايا إلى أبي بكر، فقبلها أبو بكر من الجزاء، وكتب إلى خالد أن يأخذ منهم بقية الجزية ويحسب له الهدية .
وكان فتح الحيرة في شهر بيع الأول سنة اثنتي عشرة ، وكتب لهم خالد كتاباً ، فلما كفر أهل السواد ضيعوا الكتاب، فلما افتتحه المثنى ثانية عاد بشرط آخر، فلما عادوا كفروا ، وافتتحها سعد بن أبي وقاص ووضع عليهم أربعمائة ألف.
قال خالد: ما لقيت قوماً كأهل فارس ، وما لقيت من أهل فارس كأهل أُلَّيس .
خبر ما بعد الحيرة :
قال ابن الأثير في Aالكامل @: قيل: كان الدهاقين يتربصون بخالد وينظرون ما يصنع أهل الحيرة ، فلما صالحهم واستقاموا له أتته الدهاقين من تلك النواحي، أتاه دهقان فرات سريا وصلوبا ابن نسطونا ونسطونا، فصالحوه على ما بين الفلاليج إلى هُرمُز جرد على ألفي ألف ، وقيل : ألف ، ألف سوى ما كان لآل كسرى ، وبعث خالد عُماله ومسالحه، وبعث ضرار بن الأزور وضرار بن الخطاب والقعقاع بن عمرو والمثنى بن حارثة ، وعتيبه بن النهاس، فنزلوا على السيب، وهم كانوا أمراء الثغور مع خالد، وأمرهم بالغارة ، فمخروا ما وراء ذلك إلى شاطئ دجلة ، وكتب خالد إلى أهل فارس يدعوهم إلى الإسلام أو الجزية , فإن أجابوا وإلا حاربهم ، فكان العجم مختلفين بموت أردشير إلا أنهم قد أنزلوا بهمن جاذويه بُهرسير ومعه غيره كأنه مقدمة لهم ، وجبى خالد الخرج في خمسين ليلة وأعطاه المسلمين، ولم يبق لأهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمر لاختلافهم بموت أدرشير إلا أنهم مجمعون على حرب خالد , وخالد مقيم بالحيرة يصعد ويصوب سنة قبل خروجه إلى الشام، والفرس يخلعون ويملكون ليس إلا الدفع عن بهر سير، وذلك أن شيرى بن كسرى قتل كل من كان يناسبه إلى أنو شروان ، وقتل أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه من كان بين أنو شروان وبين بهرام جور ، فبقوا لهم يقدروا على من يمكلونه ممن يجتمعون عليه، فلما وصلهم كُتب خالد تلكم نساء آل كسرى فولي الفرخراد ابن البنذوان إلى أن يجتمع آل كسرى على من يملكون إن وجدوه.
ووصل جرير بن عبدالله البجلي إلى خالد بعد فتح الحيرة , وكان سبب وصوله إليه أن كان مع خالد بن سعيد بن العاص بالشام ، فأستأذنه في المسير إلى أبي بكر ليكلمه في قومه ليجمعهم له ، وكانوا أوزاعاً متفرقين في العرب، فأذن له ، فقدم على أبي بكر فذكر له ذلك وأن رسول لله ، وعده به وشهد له شهود، فغضب أبو بكرt وقال : ترى شغلنا وما نحن فيه بغوث المسلمين فمن باعزائهم من فارس والروم ، ثم أنت تكلفني مالا يغني!
وأمره بالمسير إلى خالد بن الوليد، فسار حتى قدم عليه بعد فتح الحيرة، ولم يشهد شيئاً مما قبلها بالعراق ، ولا شيئاً مما كان خالد فيه من قبل أهل الردة.





ذكر فتح الأنبار :
ثم سار خالد على تعبيته إلى الأنبار ، وإنما سمي الأنبار لأن أهراء الطعام كانت بها أنابير، وعلى مقدمته الأقرع بين حابس ، فلما بلغها أطاف بها وأنشب القتال، وكان قليل الصبر عنه ، وتقدم إلى رماته أن يقصدوا عيونهم ، فرموا رشقاً واحداً ثم تابعوا فأصابوا ألف عين ، فسميت تلك الوقعة ذات العيون ، وكان على من بها الجند شيرزار صاحب ساباط ، فلما رأى ذلك أرسل يطلب الصلح على أمر لم يرضه خالد ، فرد رسله ونحر من إبل العسكر كل ضعيف , وألقاه في خندقهم ، ثم عبره، فاجتمع المسلمون والكفار في الخندق ، فأرسل شيرزاد إلى خالد وبذل له ما أراد ، فصالحه على أن يلحق بمأمنه ،في جريدة ليس معهم من متاع شيء , وخرج  شيرزاد إلى بهمن جاذويه، ثم صالح خالد من حول الأنبار ، وأهل كلواذي .




ذكر فتح عين التمر :
ولما فرغ خالد من الأنبار استخلف عليها الزبرقان بن بدر، وسار إلى عين التمر، وبها مهران بن بهرام جوبين، في جمع عظيم من العجم ، وعقة بن أبي عقة في جمع عظيم من العرب من النمر وتغلب وإياد وغيرهم ، فلما سمعوا بخالد قال عقة لمهران: إن العرب أعلم بقتال العرب فدعنا وخالداً .قال: صدقت فأنتم أعلم بقتال العرب ، وإنكم لمثلنا في قتال العجم , فخدعه واتقى به، وقال: إن احتجتم إلينا أعناكم ، فلامه أصحابه من الفرس على هذا القول , فقال لهم: إنه جاءكم من قتل ملوككم أمر عظيم , وقلّ حدكم فاتقيته بهم ، فإن كانت لكم على خالد فهي لكم ، وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى يهنوا فتقاتلهم ونحن أقوياء ، فاعترفوا له. وسار عقة إلى خالد فالتقوا، فحمل خالد بنفسه على عقة وهو يقيم صفوفه ، فاحتضنه به، فنازلهم خالد، فطلبوا منه الأمان، فأبى ، فنزلوا على حكمه ، فأخذهم أسرى وقتل عقة ثم قتلهم أجمعين وسبى كل من في الحصن وغنم ما فيه، ووجد في بيعتهم أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل، فأخذهم فقسهم في أهل البلاء، منهم: سيرين أبو محمد ، ونصير أبو موسى ، وحُمران مولى عثمان وأرسل إلى أبي بكر بالخبر والخُمس .
وفي عين التمر قُتل عُمير بن رئاب السهمي ، وكان من مهاجرة الحبشة ، ومات بها بشير بن سعد الأنصاري والد النعمان , فدفن بها إلى جانب عُمير .
ذكر دوُمة الجندل :
ولما فرغ خالد من عين التمر أتاه كتاب عياض بن غنم يستمده على من بإزائه من المشركين ، فسار خالد إليه ، فكان بإزائه بهراة وكلب وغسان وتنوخ والضجاعم، وكانت دومة على رئيسين أكيدر بن عبد الملك , والجودي ابن ربيعة ، فأما أكيدر فلم يرَ قتال خالد وأشار بصلحه خوفاً، فلم يقبلوا منه، فخرج عنهم ، وسمع خالد بمسيره فأرسل إلى طريقه فأخذه أسيراً فقتله , وأخذ ما كان معه وسار حتى نزل على أهل دومة الجندل فجعلها بينه وبين عياض.فلما أطمأن خالد خرج إليه الجودي في جمع ممن عنده من العرب لقتاله , وأخرج طائفة أخرى إلى عياض فقاتلهم عياض فهزمهم ، فهزم خالد يليه، وأخذا الجودي أسيراً وانهزموا إلى الحصن ، فلما امتلأ أغلقوا الباب دون أصحابهم , فبقوا حوله ، فأخذهم خالد فقتلهم حتى سدَّ باب الحصن ، وقتل الجودي وقتل الأسرى , إلا أسرى كلب ، فإن بني تميم قالوا لخالد: قد أمناهم ، وكانوا حلفاءهم ، فتركهم ، ثم أخذ الحصن قهراً فقتل المقاتلة وسبى الذرية والسرح فباعهم ، واشترى خالد ابنة الجودي ، وكانت موصوفة .
وأقام خالد بدومة الجندل، فطمع الأعاجم ، وكاتبهم عرب الجزيرة غضباً لعقة، فخرج زرمهر زوزبه يريدان الأنبار , واتعدا حصيداً والخنافس ، فسمع القعقاع بن عمرو، وهو خليفة خالد على الحيرة ، فأرسل أعبد بن فذكي وأمره بالحصيد , وأرسل عُروة بن الجعد البارقي إلى الخنافس ، فخرجا فحالا بينهما وبين الريف ، ورجع خالد إلى الحيرة، فبلغه ذلك، وكان عازماً على مصادقة أهل المدائن ، فمنعه من ذلك كراهية مخالفة أبي بكر ، فجعل القعقاع بن عمرو ، وأبا ليلى بن فذكي إلى روزبه وزرمهر ، ووصل إلى خالد أنّ الهُذيل بن عمران قد عسكر بالمصَيخ ، ونزل ربيعة بن بجير بالثني والبشر غضباً لعقة يريدان زرمهر وروزبه , فخرج خالد وسار إلى القعقاع وإلى ليلى فاجتمع وبعث أبا ليلى إلى الخنافس .
ذكر وقعة حصيد والخنافس :
فسار القعقاع نحو حصيد، وقد اجتمع بها روزبه وزرمهر ، فالتقوا بحصيد ، فقتل من العجم مقتلة عظيمة ، فقتل القعقاع زرمهر ، وقتل عصمة بن عبدالله أحد بني الحارث بن طريف الضبي روزبه ، وكان عصمة بن البررة ، وهم كل فخذ هاجرت بأسرها ، والخيرة كل قوم هاجروا من بطن ، وغنم المسلمون ما في حصيدة وانهزمت الأعاجم إلى الخنافس ، وسار أبو ليلى ومن معه إلى الخنافس، فلما أحس المهبوذان بهم هرب إلى المصبح إلى الهذيل بن عمران.
ذكر وقع مُصَيخ بني البرشاء:
ولما انتهى الخبر إلى خالد بمصاب أهل الحصيد وهرب أهل الخنافس كتب إلى القعقاع وأبو ليلى وأعبد وعروة وواعدهم ليلةٍ وساعة يجتمعون فيها إلى المُصيَخ ، وخرج من العين قاصداً إليهم ، فلما كان تلك الساعة من ليلة الموعد اتفقوا جميعاً بالمُصيَخ , فأغاروا على الهذيل ومن معه , وهم نائمون من ثلاثة أوجه فقتلوه ، وأفلت الهذيل في ناس قليل وكثر فيهم القتل، وكان مع الهذيل عبد العزى بن أبي رهُم أخو أوس مناة ، ولبيد بن جرير، وكانا قد أسلما ومعهما كتاب أبي بكر بإسلامهما، فقتلا في المعركة، فبلغ ذلك أبا بكر وقول عبد العُزى .
      أقول إذا طرق الصباح بغارةٍ                  سبحانك الله رب محمدٍ
                سُبحان ربي لا إله غيرُهُ                   رب البلاد ورب من يتوردُ

فواداهما وأوصى بأولادهما ، فكان عمر يعتد بقتلهما وقتل مالك بن نويرة على خالد، فيقول أبو بكر: كذلك يلقى من نازل أهل الشرك.وقد كان حرقوص ابن النعمان بن النمر قد نصحهم فلم يقبلوا منه , فجلس مع زوجته وأولاده يشربون، فقال لهم: أشربوا شراب مودع ، هذا خالد بالعين وجنوده بالحصيد ثم قال :
          ألا سقياني قبل خيل أبي بكر             لعل منايانا قريب وما ندري
فضرب رأسه ، فإذا هو في جفنة فيها الخمر ، وقتلوا أولاده وأخذوا بناته.
وقيل: إن قتل حرقوص وهذا الوقعة ووقعة الثني كان في مسير خالد بن الوليدt من العراق إلى الشام ، وسيذكر إن شاء الله تعالى‏.‏
ذكر وقعة الثني والزُميل
وكان ربيعة بن بجير التغلبي بالثني والبشر , وهو الزُميل , وهما شرقي الرصافة , قد خرج غضبًا لعقة وواعد روزبه وزرمهر والهذيل، ولما أصاب خالد أهل المُصيَخ واعد القعقاع وأبا ليلى ليلة، وأمرهما بالمسير ليغيروا عليهم، فسار خالد من المُصيَخ فاجتمع هو وأصحابه بالثني , فبيتهم من ثلاثة أوجهٍ , وجردوا فيهم السيوف ، فلم يفلت منهم مخبر، وغنم وسبى وبعث بالخبر والخُمس إلى أبي بكر، فاشترى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بنت ربيعة بن بجير التغلبي، فولدت له عمر ورقية‏.‏
ولما انهزم الهُذيل بالمُصيَخ لحق بعتاب بن فلان ، وهو بالبشر  في عسكر ضخم فبيتهم خالد بغارة شعواء من ثلاثة أوجهٍ قبل أن يصل إليهم خبر ربيعة، فقتل منهم مقتلة عظيمة لم يقتلوا مثلها , وقسم الغنائم ، وبعث الخُمس إلى أبي بكرt، وسار خالدt من البشر إلى الرُضاب، وبها هلال بن عقة، فتفرق عنه أصحابه، وسار هلال عنها فلم يلق خالد بها كيدًا‏.
ذكر وقعة الفِراض :
ثم سار خالدt من الرُضاب إلى الفِراض،  وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة وأفطر بها رمضان لاتصال الغزوات ، وحميت الروم , واستعانوا بمن يليهم من مسالح الفرس فأعانوهم، واجتمع معهم تغلب وإياد والنمر وساروا إلى خالد , فلما بلغوا الفرات , قالوا له: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم.قال خالد:اعبروا.قالوا: تنح عن طريقنا حتى نعبر.قال:لا أفعل ولكن اعبروا أسفل منا. فعبروا أسفل من خالد ، وعظم في أعينهم، وقالت الروم: امتازوا حتى نعرف اليوم من يثبت ممن يولي ففعلوا، فاقتتلوا قتالاً عظيماً , وانهزمت الروم ومن معهم ,  وأمر خالد المسلمين أن لا يرفعوا عنهم، فقتل في المعركة وفي الطلب مائة ألف ، وأقام خالد على الفِراض عشراً، ثم أذن بالرجوع إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة، وجعل شجر بن الأعز على الساقة ، وأظهر خالد أنه في الساقة.
ذكر حجة خالدt سراً :
ثم خرج خالدt حاجاً من الفِراض سيراً ومعه عدة من أصحابه , يعسف البلاد، فأتى مكة وحج ورجع، فما توافى جنده بالخبر حتى وافاهم مع صاحب الساقة فقدما معاً وخالد وأصحابه محلقون ، ولم يعلم بحجه إلا من أعلمه به، ولم يعلم أبو بكرt بذلك إلا بعد رجوعه ، فعتب عليه , وكانت عقوبته إياه أن صرفه إلى الشام من العراق , ممدًا جموع المسلمين باليرموك ، وكان أهل العراق أيام عليَّ إذا بلغهم عن معاوية شيء يقولون‏:‏ نحن أصحاب ذات السلاسل، يسمون ما بينها وبين الفِراض ، ولا يذكرون ما بعد الفِراض , احتقارًا للذي كان بعدها‏.‏
وأغار خالد بن الوليد على سوق بغداد ، ووجه المثنى فأغار على سوق فيها جمعٌ لقُضاعة وبكر، وأغار أيضاً على مسكن وقُطرُبل , وتل عقُرقوف وبادوريا , قال الشاعر‏:‏
وللمُثنى بالعال معركـةٌ                 شاهدها من قبيلة بشــــرُ
كتيبةٌ أفزعت بوقعتهــا             كِسرى وكادَ الإيوان ينفطـرُ


وشجّعَ المسلمين إذ حذروا          وفي صُروُف التجاربِ العِبَـرُ
سهَلُ نهج السبيل فافترقُوا                       آثارهُ والأمرُ تفتـــــقرُ
ذكر مسير خالد بن الوليد من العراق إلى الشام:
وفي سنة ثلاث عشرة من الهجرة ، ولما رأى المسلمون مطاولة الروم ,استمدوا أبا بكرt، فكتب إلى خالد بن الوليد يأمره بالمسير إليهم وبالحث , وأن يأخذ نصف الناس, ويستخلف على النصف الآخر المثنى بن حارثة الشيباني، ولا يأخذن من فيه نجدة إلا ويترك عند المثنى مثله، وإذا فتح الله عليهم رجع خالد وأصحابه إلى العراق.فاستأثر خالد بأصحاب النبي على المثنى وترك للمثنى عدادهم من أهل القناعة ، من ليس له صحبة ، ثم قسم الجند نصفين ، فقال المثنى: والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر، وبالله ما أرجو النصر إلا بأصحاب النبي .فلما رأى خالد ذلك أرضاه ، وقيل: سار من العراق في ثمانمائة، وقيل: في ستمائة، وقيل: في خمسمائة، وقيل: في تسعة آلاف، وقيل: في ستة آلاف، وقيل: إنما أمره أبو بكرtأن يأخذ أهل القوة والنجدة، فأتى حّدوداء فقاتله أهلها فظفر بهم، وأتى المصُيَخ وبه جمع من تغلب , فقاتلهم وظفر بهم , وسبى وغنم.
وقيل: سار خالدt فلما وصل إلى قُراقر، وهو ماء لكلب، أغار على أهلها وأراد أن يسير منهم فوزاً إلى سُوَى، وهو ماء لبهراء بينهما خمس ليال، فالتمس دليلاً، فدل على رافع بن عميرة الطائي، فقال له في ذلك، فقال له رافع: إنك لن تطيق ذلك بالخيل والأثقال ، فوالله إن الراكب المفرد يخافه على نفسه. فقال: إنه لابد لي من ذلك لأخرج من وراء جموع الروم , لئلا يحبسني عن غياث المسلمين. فأمر صاحب كل جماعة أن يأخذ الماء للشعبة لخمس , وأن يعطش من الإبل الشرُف ما يكتفي به , ثم يسقوها غَللاً بعد نهَلَ، والعَلَل الشربة الثانية، والنهل الأولى ، ثم يصروا آذان الإبل , ويشدوا مشافرها لئلا تجتّر. ثم ركبوا من قُراقر، فلما ساروا يوماً وليلة , شقوا لعدة من الخيل بطون عشرة من الإبل , فمزجوا ماء في كروشها بما كان من الألبان وسقوا الخيل، ففعلوا ذلك أربعة أيام. فلما دنا من العلمين , قال للناس: انظروا هل ترون شجرة عوسج كقعدة الرجل؟ فقالوا: ما نراها. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هلكتم والله , وهلكت معكم! وكان أرمد. فقال لهم: انظروا ويحكم! فنظروا فرأوها قد قطعت وبقي منها بقية، فلما رأوها كبروا، فقال رافع: احفروا في أصلها.فحفروا واستخرجوا عيناً فشربوا حتى روي الناس، فقال رافع: والله ما وردت هذا الماء قط إلا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام. فقال شاعر من المسلمين:
للهِ عينا رافعٍ أنـى اهتـدى                   فـوز من قُراقرٍ إلى سُوّى

خمساً إذا ما سارَهُ الجيشُ بكى               ما سارَها قبلك إنسيٌّ يُرى
فلما انتهى خالد إلى سُوى أغار على أهلها وهم بهراء , وهم يشربون الخمر في جفنة قد اجتمعوا عليها , ومغنيهم يقول:
ألا عللاني قبل جيش أبـي بكـر
لـعل منايـانا قريبٌ ولا نـدري
ألا عللاني بالزجـاج وكـرروا
عَليَّ كميت اللّونِ صـافيةً تجري
ألا عللاني مـن سُلافـةِ قهـوةٍ
 تُسلي هموم النفس من جيد الخمرِ
أظنُ خُيـولَ المسُلمـين وخـالداً
 ستطرقكـم قبل الصباح مع النسرِ
فهل لكم في السّيـر قبـل قتـالكمْ
وقبل خُروج المعُصَراتِ من الخدرِ
فقتل المسلمون مغنيهم وسال دمه في تلك الجفنة، وأخذوا أموالهم , وقتل حرقوص بن النعمان البهراني.
ثم أتى أرك فصالحوه، ثم أتى تُدمر فتحصن أهله ثم صالحوه ، ثم أتى القريتين فقاتلهم فظفر بهم وغنم ، وأتى حوارين فقاتل أهلها فهزمهم , وقتل وسبى ، وأتى قصم فصالحه بنو مشجعة من قضاعة، وسار فوصل إلى ثنية العُقاب عند دمشق ناشراً رايته، وهي راية سوداء، وكانت لرسول الله تسمى العُقاب، وقيل: كانت رايته تسمى العُقاب فسميت الثنية بها، وقيل: سُميت بعُقاب من الطير سقطت عليها، والأول أصح.
ثم سار فأتى مرج راهط فأغار على غسّان في يوم فصبحهم فقتل وسبى، وأرسل سرية إلى كنيسة بالغوطة , فقتلوا الرجال وسبوا النساء , وساقوا العيال إلى خالد.
 ثم سار حتى وصل إلى بُصرى , فقاتل من بها فظفر بهم وصالحهم، فكانت بُصرى أول مدينة فتحت بالشام على يد خالد وأهل العراق.
وبعث بالأخماس إلى أبي بكرt.
ثم سار فطلع على المسلمين في ربيع الآخر، وطلع باهان على الروم , ومعه الشمامسة , والقسيسون والرهبان يحرضون الروم على القتال، وخرج باهان كالمعتذر، فولي خالد قتاله، وقاتل الأمراء من بإزائهم، ورجع باهان والروم إلى خندقهم , وقد نال منهم المسلمون.





ذكر وقعة اليرموك:
فلما تكامل جمع المسلمين باليرموك , وكانوا سبعة وعشرين ألفاً، قدم خالد في تسعة آلاف فصاروا ستة وثلاثين ألفاً سوى عكرمة ، فإنه كان ردءاً لهم، وقيل: بل كانوا سبعة وعشرين ألفاً وثلاثة آلاف من فلال خالد بن سعيد، وعشرة آلاف مع خالد بن الوليد، فصاروا أربعين ألفاً سوى ستة آلاف مع عكرمة بن أبي جهل، وقيل في عددهم غير ذلك ، والله أعلم.
وكان فيهم ألف صحابي ، منهم نحو مائة ممن شهد بدراً.
وكان الروم في مائتي ألف وأربعين ألف مقاتل، منهم ثمانون ألف مقيد وأربعون ألف مسلسل للموت , وأربعون ألفاً مربطون بالعمائم لئلا يفروا , وثمانون ألف راجل.
 وقيل: كانوا مائة ألف ، وكان قتال المسلمين لهم على تساند ، كل أمير على أصحابه لا يجمعهم أحد ، حتى قدم خالد بن الوليد من العراق، وكان القسيسون والرهبان يحرضون الروم شهراً ، ثم خرجوا إلى القتال الذي لم يكن بعده قتال , في جمادى الآخرة من سنة ثلاث عشرة للهجرة.
فلما أحس المسلمون بخروجهم أرادوا الخروج متساندين، فسار فيهم خالد بن الوليدt فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، فإن هذا يوم له ما بعده، ولا تقاتلوا قوماً على نظام وتعبية وأنتم متساندون , فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي، وإنَّ من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه رأيّ من واليكم ومحبته.
 قالوا: هات فما الرأي؟
قال: إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر، ولو علم بذلك كان يكون قد جمعكم، إن الذي أنتم فيه أشدّ على المسلمين مما قد غشيهم وأنفع للمشركين من أمدادهم، ولقد علمتُ أن الدنيا فرقت بينكم، فالله الله، فقد أفرد كل منكم ببلد لا ينتقصه منه إن دان لأحد من الأمراء , ولا يزيده عليه إن دانوا له.
إن تأمير بعضكم لا ينتقصكم عند الله , ولا عند خليفة رسول الله , هلموا فإن هؤلاء قد تهيأوا، وإن هذا يوم له ما بعده، إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم , وإن هزمونا لم نفلح بعدها.
فهلموا فلنتعاور الإمارة , فليكن بعضنا اليوم والآخر غداً ، والآخر بعد غد حتى تتأمروا كلكم، ودعوني أتأمر اليوم , فأمروه وهم يرون أنها كخرجاتهم وأن الأمر لا يطول.
فخرجت الروم في تعبية لم يرَ الراؤون مثلها قط، وخرج خالد في تعبية لم تعبئها العرب قبل ذلك، فخرج في ستة وثلاثين كردوساً إلى الأربعين.
 وقال: إن عدوكم كثير وليس تعبية أكثر في رأي العين من الكراديس، فجعل القلب كراديس وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس , وعليها عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، وجعل الميسرة كراديس وعليها يزيد بن أبي سفيان، وكان على كردوسٍ القعقاعُ بن عمرو، وجعل على كل كردوس رجلاً من الشجعان، وكان القاضي أبو الدرداء، وكان القاص أبو سفيان بن حرب، وعلى الطلائع قباث بن أشيم، وعلى الأقباض عبد الله ابن مسعودy.
وقال رجل لخالد: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فقال خالد: ما أكثر المسلمين وأقل الروم، وإنما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذلان، والله لوددتُ أن الأشقر، -يعني فرسه- براء من توجيه وأنهم أضعفوا في العدد، وكان قد حفي في مسيره.
فأمر خالدٌ عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو ب فأنشبا القتال.
والتحم الناس وتطارد الفرسان وتقاتلوا، فإنهم على ذلك
إذ قدم البريد  من المدينة واسمه محميه بن زنيم، فسألوه الخبر، فأخبرهم بسلامة وأمداد , وإنما جاء بموت أبي بكرt وتأمير أبي عبيدة، فبلغوه خالداً، فأخبره خبر أبي بكر سراً.
وخرج جرجة حتى كان بين الصفين وطلب خالداً، فخرج إليه، فآمن كل واحد منهما صاحبه، فقال جرجة: يا خالد أصدقني ولا تكذبني، فإن الحُرّ لا يكذب، ولا تخادعني، فإن الكريم لا يخادع المسترسل، هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟قال: لا. قال: ففيم سُميت سيف الله؟فقال له: إن الله بعث فينا نبيه ، فكنتُ فيمن كذبه وقاتله، ثم إن الله هداني فتابعته، فقال: أنت سيف الله سله الله على المشركين، ودعا لي بالنصر.قال: فأخبرني إلى ما تدعوني.قال خالد: إلى الإسلام أو الجزية أو الحرب.قال: فما منزلة من الذي يجيبكم ويدخل فيكم؟ قال: منزلتنا واحدة.قال:فهل له مثلكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم وأفضل لأننا اتبعنا نبينا وهو حي , يخبرنا بالغيب ونرى منه العجائب والآيات، وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم، وأنتم لم تروا مثلنا ولم تسمعوا مثلنا، فمن دخل بنية وصدقٍ كان أفضل منا.فقلب جرجة ترسه ومال مع خالد وأسلم وعلمه الإسلام , واغتسل وصلى ركعتين .ثم خرج مع خالد فقاتل الروم.وحملت الروم حملة أزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية، عليهم عكرمة وعمه الحارث بن هشام، فقال عكرمة يومئذٍ : قاتلتُ مع النبي  في كل موطن ثم أفرّ اليوم!ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه الحارث بن هشام , وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعاً جراحاً، فمنهم من برأ ومنهم من قتل.
وقاتل خالد وجرجة قتالاً شديداً، فقتل جرجة عند آخر النهار , وصلى الناس الأولى والعصر إيماء وتضعضع الروم , ونهد خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم، فانهزم الفرسان وتركوا الرجالة.ولما رأى المسلمون خيل الروم قد توجهت للمهرب أفرجوا لها، فتفرقت وقتل الرجالة , واقتحموا في خندقهم، فاقتحمه عليهم، فعمدوا إلى الواقوصة حتى هوى فيها المقترنون وغيرهم، ثمانون ألفاً من المقترنين وأربعون ألف مطلق سوى من قتل في المعركة، وتجلل الفيقار وجماعة من أشراف الروم برانسهم , وجلسوا فقتلوا متزملين. ودخل خالد الخندق ونزل في رواق تذارق.
 فلما أصبحوا أتى خالد بعكرمة بن أبي جهل جريحاً فوضع رأسه على فخذه، وبعمرو بن عكرمة فجعل رأسه على ساقه ومسح وجوههما , وقطر في حلوقهما الماء , وقال: زعم ابن حنتمة يعني- عمر بن الخطابt- ، أنا لا نستشهد. ولما انهزمت الروم كان هرقل بحمص، فنادى بالرحيل عنها قريباً , وجعلها بينه وبين المسلمين , وأمر عليها أميراً كما أمر على دمشق. وكان من أصيب من المسلمين ثلاثة آلاف، منهم عكرمة وابنه عمرو , وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد , وأبان بن سعيد وغيرهم.
قلت:ذكره ابن الأثير في Aالكامل@.

خبر وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه
وتولية أبو عبيدة بن الجراح على الجند  أميراً
وعزل خالد بن الوليد:
ذكر أبي القاسم بن حُبيش في كتابه « الغزوات» وتوفي أبو بكر tلثمان بقين لجمادي الآخرة مساء يوم الاثنين سنة ثلاثة عشرة، وولي عمر بن الخطاب t.فتكتب - يعني الفاروق عمر t - إلى أبي عبيدة , أما بعد فإن أبا بكر خليفة رسول الله توفي فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ورحمة الله على أبي بكر القائل بالحق ، والآمر بالقسط، والآخذ بالعرف واللين ، الشفيق الورع ، الحليم والسهل القريب، نرغب إلى الله في العصمة برحمته , والعمل بطاعته والحلول في جنته إنه على كل شيء قدير والسلام عليكم.                            وجاء بالكتاب يرفأ حتى أتى أبا عبيدة به ، فقرأه ، فلم يسمع من أبي عبيدة حين قرأه شيء ينتفع به مقيم ولا ظاعن ودعا أبو عبيدة معاذ بن جبل، وأقرأه الكتاب، فالتفت معاذ إلى الرسول فقال : رحمة الله على أبي بكر ، ويح غيرك ما فعل المسلمون؟قال: استخلف أبو بكر عمر ، فقال: الحمد لله , وفقوا وأصابوا ، فقال أبو عبيدة: ما منعني من مسألته منذ قرأت الكتاب حتى دعوتك لقراءته إلا مخافة أن يستقبلني فيخبرني أن الوالي غير عمر ، فقال له الرسول: يا أبا عبيدة , إن عمر يقول لك أخبرني عن حال الناس ، وأخبرني عن خالد بن الوليد أي رجل هو ، وأخبرني عن يزيد بن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ، كيف هما حالهما , ونصيحتهما للمسلمين .فقال له : خالد خير أمير ، أنصحه للإسلام ، وأشده على عدوهم من الكفار، ويزيد وعمرو في نصيحتهما وجدهما كما يحب عمر، ونحب .                                                   
وذكر ابن عساكر في « تاريخه» : عن أبي صالح عن ابن عباس ، قال:قال عمر:أما والله لئن صير الله هذا الأمر إليَّ لأعزلتُ المثنى بن حارثة عن العراق، وخالد بن الوليد عن الشام , حتى يعلما إنما نصر الله دينه ليس إياهما نصر.
وفي رواية عند خليفة بن خياط في « تاريخه»: عن ابن عون , قال : لما ولي عمر قال : لأنزعنَّ خالداً حتى يعلم أن الله ينصر دينه.
وذكر خليفة بن خياط في « تاريخه»: عن حماد بن سلمة ، عن هشام بن عُروة ، عن أبيه ، قال: لما استخلف عمر كتب إلى أبي عبُيدة:Aأني قد استعملتك وعزلت خالداً@.
قال خليفة : وعزل - يعني عمرt - خالد بن الوليد حين ولي أبا عُبيدة بن الجراح، فولى أبو عبيدة حين فتح الشامات يزيد بن أبي سفيان على فلسطين ، وناحتيها، وشُرحبيل بن حسنة على الأردن , وخالد بن الوليد على دمشق ، وحبيب بن مسلمة على حمص.
وذكر ابن عساكر في « تاريخه» : عن الزبير بن بكار , حدثني محمد بن مسلمة، عن مالك بن أنس ، قال: قال عمر بن الخطاب لأبي بكر الصَّديق: اكتب إلى خالد بن الوليد أن لا يعطي شاة ولا بعيراً إلا بأمرك ، قال: فكتب أبو بكر بذلك، قال: فكتب إليه خالد بن الوليد : إما أن تدعني وعملي , وإلا فشأنك بعملك، فأشار عليه عمر بعزله، فقال أبو بكر: من يُجزي عن جزاة خالد؟ قال عمر: أنا ، قال : فأنت .
وقال مالك : قال زيد بن أسلم: فتجهز عمر حتى أنيخت الظهر في الدار، وحضر الخروج فمشى أصحاب النبي إلى أبي بكر , فقالوا:ما شأنك تخرج عمر من المدينة وأنت إليه محتاج، وعزلت خالداً ، وقد كفاك؟ قال: فما أصنع؟قالوا: تعزم على عمر فيجلس وتكتب إلى خالد فيقيم على عمله ، ففعل.فلما ولي عمر كتب إلى خالد ألا تعطي شاة ولا بعيراً إلا بأمري .
قال: فكتب إليه خالد بمثل ما كتب إلى أبي بكر، فقال عمر: ما صدقت الله، إن كنت أشرت على أبي بكر بأمر فلم أنفذه فعزله ، وكان يدعوه إلى أن يستعمله فيأبى إلا أن يخليه بعمل ما شاء ، فيأبى عمر.
وذكر ابن عساكر في « تاريخه»: عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال:قال عمر لأبي بكر الصديق: تدع خالد بن الوليد بالشام ينفق مال الله، قال: فلما توفي أبو بكر قال: سمعت عمر حين توفى أبو بكر يقول: كذبت والله , إن كنت أمرت أبا بكر بشيء لا أفعله بعده.
فكتب إليه خالد: أما بعد فإنه لا حاجة لي بعملك ، فبعث أبا عبيدة بن الجراح , قال بن الجراح قال: فحضر أبا عُبَيدة.
وذكر ابن عساكر في « تاريخه»: قال الشيباني: أخبرني عن أبي العجماء ، قال : قيل لعمر بن الخطاب: لو عهدت يا أمير المؤمنين؟قال: لو أدركت أبا عبيدة بن الجراح ثم وليته ثم قدمت على ربي , فقال لي: لما استخلفته على أمة محمد? قلت:سمعت عبدك و خليلك , يقول:«لكل أمة أمين و إن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»(1) ، و لو أدركت خالد بن الوليد ثم وليته , ثم قدمت على ربي , فقال لي:من استخلفت على أمة محمد?لقلت: سمعت عبدك و خليلك يقول:«لخالد سيفُ من سيوف الله، سله الله على المشركين» (2) .
وذكر الإمام أحمد في مسنده : عن عبدالله ، حدثني أبي أحمد ، عن حسين بن علي الجعفي ، عن زائدة ، عن عبد الملك بن عُميرَ ، قال:أستعمل عمر بن الخطاب أبا عُبيدة بن الجراح على الشام , وعزل خالد بن الوليد ، قال:فقال خالد بن الوليد: بعث عليكم أمين هذه الأمة , سمعت رسول الله يقول:  «أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح», فقال أبو عُبيدة: سمعت رسول الله يقول:«خالد سيف من سيوف الله عز وجل نعم فتى العشيرة».
قلت : ونقله الهيثمي في « المجمع» وقال : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح . إلا أن عبد الملك بن عمير لم يدرك أبا عبيدة .
ذكر أبي القاسم بن حبيش في « الغزوات » : وعن عباس بن سهل بن سعد قال : قدم شداد بن أوس بعهد أبي عبيدة فدفعه إليه، وشداد شاك، فنزل مع أبي عبيدة ، ومعاذ بن جبل في منزلهما وأمرهما واحد، فكانا يقومان عليه حتى تماثل ، فمكث أبو عبيدة خمس عشرة ليلة يصلي خالد بالناس . ويأمر بالأمر وما يعلم أن أبا عبيدة الأمير ، حتى جاء كتاب من عمر إلى أبي عبيدة ، فكره أن يخفيه .
بسم الله الرحمن الرحيم :« سلام عليك فأني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد : فإنك في كنف من المسلمين , وعدد يكفي حصار دمشق , فابعث سراياك في نواحي أرض حمص ودمشق وما سواها من أرض الشام ، ولا يحملك قولي هذا على أن تعري عسكر فيطمع فيك عدوك ، ولكن أنظر برأيك فما استغنيت عنه منهم فسر به ، وما احتجت إليه منهم في حصارك فاحبسه، وليكن فيمن تحبس خالد بن الوليد فإنه لا غنى بك عنه، والسلام».
فلما قرأ أبو عبيدة كتابه على الناس , قال خالد: رحم الله أبا بكر لو كان حياً ما عزلني، وولي عمر فولى أبا عبيدة فعافى الله أبا عبيدة كيف لم يعلمني بولايته عليَّ، فجاءه الكتاب فدفعه إليه، وقال له: أنت الأمير ولا تعلمني ، وأنت تصلي خلفي، والسلطان سلطاناك ، فقال له : ما كنت لأعلمك به أبداً حتى تعلمه من غيري، وما سلطان الدنيا إمارتها، فإن كل ما ترى يصير إلى زوال، وإنما نحن أخوان ، فأينا أمه أخوه , أو أمر عليه لم يضره الله بذلك في دينه , ولا دنياه، بل لعل المولى أن يكون أقر بهما إلى الفتنة , وأوقعها بالخطئية أنه بعرض هلكة إلا من عصم الله ، وقليل ما هم ، وتولى أو عبيدة حصار دمشق وولى خالداً القتال على الباب الذي كان يكون عليه , وهو باب الشرقي، وولاه الخيل إذا كان يوم يجتمع المسلون فيه للقتال ، فحاصروا دمشق بعد مهلك أبي بكر - t - ولايته حولاً كاملاً وأياماً ، ثم أنه لما طال على صاحب دمشق انتظار مدد قصير ، ورأى المسلمين لا يزدادون إلا كثرة وقوة، وأنهم لا يفارقونه أقبل إلى أبي عبيدة يسأله الصلح، وكان أبو عبيدة أحب إلى الروم وسكان الشام من خالد، وكان أن يكون الكتاب منه أحب إليهم لأنه ألينهما وأشدهما منهم استماعاً وأقربهما منهم قرباً ، وكان قد بلغهم أنه أقدمهما هجرة وإسلاماً ، وكانت رسل صاحب دمشق إنما تأتي أبا عبيدة وخالد ملح على الباب الذي يليه، فأرسل صاحب الجابية، وألح خالد بن الوليد على الباب الشرقي ففتحته عنوة , فقال خالد لأبي عبيدة : اسبهم إني قد فتحتها عنوة ، فقال أبو عبيدة : لا , إني قد أمنتهم.
وعن محرز بن أسد الباهلي قال: افتتحنا دمشق سنة أربع عشرة في رجب , لخمس عشرة مضت من الشهر , يوم الأحد لثلاثة عشر شهراً من إمارة عمر إلا سبعة أيام.
وحكى الطبري في كتابه بسنده عن صالح بن كيسان قال: أول كتاب كتبه عمر-بن الخطاب t - حين ولي إلى أبي عبيدة يوليه على جند خالد:«أوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه ، الذي هدانا من الضلالة ، وأخرجنا من الظلمات إلى النور ، وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد ، فقم بأمرهم الذي يحق عليك ولا تقدم المسلمين إلى الهلكة، وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك، فغض بصرك عن الدنيا ، وأله قلبك عنها ، وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك , فقد رأيت مصارعهم# .
وفيه أنه قدم بوفاة أبي بكر t إلى الشام: شداد بن أوس بن ثابت الأنصاري، ومحمية بن جزء ، ويرفأ ، فكتموا الخبر الناس حتى ظهر المسلمون وكانا بالواقوصة يقاتلون عدوهم من الروم ، وذلك في رجب فأخبروا أبا عبيدة بوفاة أبي بكر وولايته جرب الشام ، وبضم عمر إليه الأمراء ، وعزل خالد بن الوليد.
وعن محمد بن إسحاق قال : لما فرغ المسلمون من أجنادين ساروا إلى فحل من أرض الأردن ، وقد اجتمعت فيها رافضة الروم , والمسلمون على أمرائهم، وخالد على مقدمة الناس ، فلما نزلت الروم بيسان بثقوا أنهارها وهي أرض سبخة، وكانت حلاً ونزلوا فحلاً وبيسان بين فلسطين وبين الأردن ، فلما غيشها المسلمون ولم يعملوا ما صنعت الروم , وحلت خيولهم فيها , ولقوا عناء , ثم سلمهم الله عز وجل، وسميت بيسان ذات الردغة - يعني طين ووحل كبير- لما لقي المسلمون فيها ، ثم يهموا إلى الروم وهم بفحل , فاقتتلوا فهزمت الروم ، ودخل المسلمون فحل، ولحقت رافضة الروم بدمشق , وكانت فحل في ذي العقدة سنة ثلاث عشرة ، على ستة أشهر من خلافة عمر t. ثم صار على دمشق وخالد على مقدمة الناس، وقد اجتمعت الروم إلى رجل منهم يقال له: باهان- بدمشق ، وقد كان عمر عزل خالد بن الوليد، واستعمل أبا عبيدة على جميع الناس ، فالتقى المسلمون والروم فيها حول دمشق، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم هزم الله الروم وأصاب منهم المسلمون، ودخلت الروم دمشق فغلقوا عليها، وجثم المسلمون عليها فرابطوها حتى فتحت دمشق ، وأعطوا الجزية ، وقد قدم الكتاب على أبي عبيدة بإمارته ، وعزل خالد فاستحيا أبو عبيدة أن يقرئ خالد الكتاب حتى فتحت دمشق ، وجرى الصلح على يدي خالد، وكتب الكتاب باسمه، فلما صالحت دمشق لحق باهان صاحب الروم الذي قاتل بهرقل، وكان فتح دمشق في سنة أربع عشرة في رجب ، وأظهر أبو عبيدة إمارته، عزل خالد، وقد كان المسلمون التقوا هم والروم ببلد يقال له: عين فحل , بين فلسطين والأردن ، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم لحقت الروم بدمشق .
قال أبو جعفر الطبري : أما سيف فذكر بسنده: أن البريد قدم على المسلمين من المدينة بموت أبي بكر , وتأمير أبي عبيدة ، وهم باليرموك ، وقد التحم القتال بينهم وبين الروم، وقص من خبر دمشق ، وخبر اليرموك غير الذي اقتصه ابن إسحاق.
وعن أبي عثمان، عن خالد وعبادة ؛ قالا: لما هزم الله جند اليرموك، وتهافت أهل الواقوصة، وفرغ من المقاسم والأنفال ، وبعث بالأخماس , وسرحت الوفود، استخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب بن أبي الحميري، كي لا تغتال بردة ، ولا تقطع الروم على مواده، وخرج أبو عبيدة حتى نزل بالصفرين وهو يريد إتباع الفالة ولا يدري أيجتمعون أو يفترقون ، فأتاهم الخبر بأنهم أزروا إلى فحل، وأتاه الخبر بأن المدد قد أتى أهل دمشق من حمص، فهو لا يدري أبدمشق يبدأ أم بفحل من بلاد الأردن، فكتب في ذلك إلى عمر، وانتظر الجواب مقيماً بالصفرين، فلما جاء عمر فتح اليرموك أقرّ الأمراء على ما كان استعملهم عليه أبو بكر، إلا ما كان من عمرو بن العاص وخالد بن الوليد، فإنه ضم خالداً إلى أبي عبيدة، وأمر عمراً بمعونة الناس، حتى تصير الحرب إلى فلسطين ، ثم يتولى حربها.
قال ابن إسحاق: كان فتح دمشق في سنة أربع عشرة في رجب، وقال أيضاً: كانت وقعة فحل قبل دمشق ، وإنما صار إلى دمشق رافضة فحل واتبعهم المسلمون إليها , وزعم أن وقعة فحل كانت سنة ثلاث عشرة في ذي القعدة منها.
وأما الواقدي فإنه زعم أن فتح دمشق كان في سنة أربع عشرة ؛ كما قال ابن إسحاق ، وزعم أن حصار المسلمين لها كان ستة أشهر، وزعم أن وقعة اليرموك كانت في سنة خمس عشرة، وزعم أن هرقل جلا في هذه السنة بعد وقعة اليرموك في سبعين من أنطاكية إلى قسطنطينية، وأنه لم يكن بعد اليرموك وقعة.
حديث حمص وهي آخر وقعات الشام :
وذكر أبي القاسم بن حبيش «في الغزوات» : وعن سيف بسنده عن رجاء بن حيوة وغيره، قال: أغزى هرقل أهل حمص في البحر وقد اتخذوا مسالح، وأنزل علقمة بن محرز وعلقمة بن حكيم الرملة وعسقلان وذواتها، وفعل يزيد وشرحبيل نحواً من ذلك واستمد أهل الجزيرة ، واستشار أهل حمص، فأرسلوا إليه بأنا قد عاهدناهم فنخاف ألا ننصر، وخرج على أبي عبيدة في حلبة الروم ، فاستمد أبو عبيدة خالداً، فأمده بمن معه جميعاً، لم يخلف أحداً، فكفر أهل قنسرين بعده، وتابعوا هرقل، وكان أكثر من هنالك تنوخ الحاضرة ، وكان يمسك كل أمير بكورته من القوة، وهو الجزء للمسلمين.ودنا هرقل من حمص وعسكر، وبعث البعوث إلى حمص، فأجمع المسلمون على الخندقة، والكتاب إلى عمرt، إلاَّ ما كان من خالد ، فإن المناجزة كانت رأيه، فخندقوا على حمص، وكتب إلى عمر، واستصرخوه، وجاء الروم ومن أمدهم حتى نزلوا عليهم، فحصروهم، وبلغت أمداد الجزيرة ثلاثين ألفاً سوى أمداد قنسرين من تنوخ وغيرهم. فبلغوا من المسلمين كل مبلغ.
ولما دنا القعقاع من حمص راسلت بنو طائقة من تنوخ خالداً ، ودلوه وأخبروه الخبر، فأرسل إليهم: إني والله لولا أني في سلطان غيري ما باليت , أقللتم أم كثرتم , أو أقمتم أو ذهبتم ، فإن كنتم صادقين فانفشوا كما أنفش أهل الجزيرة ، فساموا سائر تنوخ ذلك فأجابوهم، وراسلوا خالداً، إن ذلك إليك، فإن شئت فعلنا، وإن شئت أن تخرج علينا فنهزم بالروم ، وأوثقوا له , فقال: بل أقيموا فإذا خرجنا فانهزموا بهم، فقال المسلمون لأبي عبيدة : أنفش أهل الجزيرة، وقد قدم أهل قنسرين ووعدوا من أنفسهم، وهم العرب ، فاخرج بنا، وخالد ساكت، فقال: مالك يا خالد مالك لا تتكلم؟ فقال: قد عرفت الذي قلته ورأيي، فلم تسمع من كلامي ، قال: فتكلم فإني أسمع منك وأطيعك ، قال:فاخرج بالمسلمين فإن الله تعالى قد نقص من عدتهم ، وبالعدد يقاتلون ، وإنما نقاتل منذ أسلمنا بالنصر فلا تحفلك كثرتهم.
وعن علقمة بن النضر وغيره قالوا:  فجمع أبو عبيدة الناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس إن هذا يوم له ما بعده , أما من حيي منكم فإنه يصفو له ملكه وقراره ، وأما من مات منكم فإنها الشهادة، فأحسنوا بالله الظن، ولا يكرهن إليكم الموت أمراً افترضه أحدكم دون الشرك، توبوا إلى الله وتعرضوا للشهادة، فإني أشهد وليس أوان الكذب- إني سمعتُ رسول الله يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة»[راوه البخاري: 1162, ومسلم :135] وكأنما كان الناس في عقل فنشطت، فخرج بهم وخالد على الميمنة , وعباس على الميسرة، وأبو عبيدة في القلب , وعلى باب المدينة معاذ بن جبل، فاجتلدوا بها .فإنهم كذلك إذ قدم القعقاع متعجلاً في مائة، وانهزم أهل قنسرين بالروم.
حديث قنسرين :
وعن أبي عثمان وجارية قالا: وبعث أبو عبيدةt  بعد فتح حمص خالد بن الوليد إلى قنسرين، فلما نزل بالحاضر، زحف إليهم الروم وعليهم ميناس وهو رأس الروم وأعظمهم فيهم بعد هرقل، فالتقوا بالحاضر فقتل ميناس ومن معه مقتلة لم يقتلوا قبلها، فأما الروم فماتوا على دمه، حتى لم يبق منهم أحد، وأما أهل الحاضر فأرسلوا إلى خالداً أنهم عرب، وأنهم إنما حشروا ، ولم يكن من رأيهم حربه، فقبل منهم وتركهم، ولما بلغ ذلك عمر t قال: أمّر خالد نفسه يرحم الله أبا بكر، لقد كان أعلم بالرجال مني، وقد كان عزله والمثنى مع قيامه , وقال: إني لم أعزلهما عن ريبة، ولكن الناس عظموهما فخشيت أن يوكلوا إليهما، فلما كان من أمره وأمر قنسرين ما كان , رجع عن رأيه وسار خالد حتى نزل على قنسرين فتحصنوا منه , فقال: إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله إليكم , أو لأنزلكم الله إلينا.
قال: فنظروا في أمرهم وذكروا ما لقي أهل حمص، فصالحوه على صلح حمص، فأبى إلا على إخراب المدينة فأخربها واتطأت حمص وقنسرين، فعند ذلك خنس هرقل، وإنما كان سبب خنوسه أن خالداً حين قتل ميناس ومات الروم على دمه، وعقد لأهل الحاضر وترك قنسرين , طلع من قبل الكوفة عمر بن مالك من قبل قرقسياء، وعبد الله بن المعتم من قبل الموصل، والوليد بن عقبة من بلاد بني تغلب في تغلب , وعرب الجزيرة، وطووا مدائن الجزيرة من نحو هرقل، وأهل الجزيرة في حران والرقة ونصيبين وذواتها لم يغرضوا غرضهم حتى يرجعوا إليهم إلا أنهم خلفوا في الجزيرة الوليد , لئلا يؤتوا من خلفهم، فأدرب خالد وعياض مما يلي الشام، وأدرب عمر وعبد الله مما يلي الجزيرة، ولم يكونوا أدربوا قبله، ثم رجعوا، فهي أول مدربة كانت في الإسلام، سنة ست عشرة، فرجع خالد إلى قنسرين فنزلها، وأتته امرأته، فلما عزله قال: إن عمر ولآني الشام حتى إذا صارت رعية وعملاً عزلني.
قلت: وإن عزل خالد t، فإنه له مكانة في نفوس إخوانه المجاهدين، بل إن أبو عبيدة بن الجراح t يستشيره في كل أمر , بل ويأخذ بكلامه , وقد ذكرنا ذلك في موضع سابق، ومن ذلك حين هرب هرقل إلى القسطنطينية.
ذكر أبي القاسم بن حبيش «في الغزوات» : وعن أبي معشر: أن الروم حين جاشت على المسلمين ودنوا منهم ، دعا أبو عبيدة رؤوس المسلمين فاستشارهم، فقال له يزيد بن أبي سفيان : أرى أن تعتزل بالمسلمين فتنزلهم إيلة، فتقيم بها ، وتعبث إلى أمير المؤمنين فتعلمه بالعدد الذي جاءنا من عدونا، وننتظر قدوم المدد علينا ، فقال عمرو بن العاص: ما إيلة عندي إلا كقرية من قرى الشام، ولكن نرى أن نسير حتى ننزل قردى، فتكون في أرضنا قريباً من مددنا فإذا جاءنا المدد نهضنا إلى القوم ، فقال: وخالد بن الوليد ساكت ، وكانت إذا كانت نائبة أو شدة فإليه وإلى رأيه يفزعون، إذ كان لا يهوله من أمر الروم شيء ، فقال أبو عبيدة: ماذا ترى؟فقال: إن كنا إنما نقاتل بالكثرة والقوة فهم أكثر منا وأقوى ، وإن كنا نقاتلهم بالله ولله ، فما أرى أن جماعتهم تغني عنهم شيئاً ، ثم غضب , فقال لأبي عبيدة : أتطيعني فيما آمرك به؟قال: نعم , قال: فولني ما وراء بابك ، وخلني والقوم ، فو الله إني لأرجوا أن ينصرني الله عليهم.قال: قد فعلت ، فولاه ذلك ، فكان خالد من أعظم الناس بلاء وأحسنه غناء ، وأعظمه بركة ، وأيمنه نقيبة ، وكانوا أهون عليه من الكلاب .
وذكر أبو جعفر الطبري في «تاريخه»: عن شعيب عن سيف ، عن أبي حارثة، قالا:فمازال خالد على قنسرين حتى إذا غزا غزوته التي أصاب فيها ، وقسم فيها ما أصاب لنفسه.
قلت : ذلك سنة سبع عشرة ، بعد قفول عمر بن الخطاب t من الشام إلى المدينة في ذي الحجة.
وعن شعيب ، عن سيف ، عن أبي المجالد مثله , قالوا : وبلغ عمر أن خالداً دخل الحمام فتدلك بعد النورة بثخين عُصفر معجون بخمر، فكتب إليه : بلغني أنك تدلكت بخمر ، وإن الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه ، كما حرم ظاهر الإثم وباطنه، وقد حرم مس الخمر إلا أن تغسل كما حرم شربها، فلا تمسوها أجسادكم فإنهن نجس ، وإن فعلتم فلا تعودوا .
فكتب إليه خالد t:إنا قتلناها فعادت غُسولاً غير خمر .
فكتب إليه عمرt: إني أظن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء، فلا أماتكم الله عليه!فانتهى إليه ذلك .
            وقال خالد ذلك :
                    سهل أبا حفص فإن لديننا                                    شرائع لا يشقى بهن المُسهَلُ
                                                                          
                  أنجستَ فِي الخمر الغسولَ  ولا ترى                من الخمر تثقيفَ المحُيل المحُللُ
                                                                      
                وهل يُشبهنَّ طعم الغسولِ ودوقه                       حمُيـَا الخمورِ والخمور تُسلسلُ
                                                                         





خبر عزل خالد نهائياً وقدومه المدينة:
وفي هذه السنة - أعني سنة سبع عشرة أدرب خالد بن الوليد ، وعياض بن غنم , في رواية سيف عن شيوخه.
 قال أبو جعفر الطبري في «تاريخه» : كتب إليَّ السري، عن شعيب، عن سيف،عن أبي عثمان وأبي حارثة والمهلب , قالوا: وأدرب سنة سبع عشرة ، خالد بن الوليد وعياض فسارا فأصابا أموالاً عظيمة، وكانا توجها من الجابية، مرجع عمر إلى المدينة، وعلى حمص أبو عبيدة , وخالد تحت يديه على قنسرين، وعلى دمشق يزيد بن أبي سفيان ، وعلى الأردن معاوية , وعلى فلسطين علقمة بن محرز، وعلى الأهراء عمرو بن عبسة ، وعلى السواحل عبدالله بن قيس، وعلى كل عمل عامل ، فقامت مسالح الشأم ومصروالعراق على ذلك إلى اليوم , لم تجز أمة إلى أخرى عملها بعد ، إلا أن يقتحموا عليهم بعد كُفرٍ منهم، فيقدموا مسالحهم بعد ذلك ، فاعتدل ذلك سنة سبع عشرة.
قالوا:ولما قفل خالد وبلغ الناس ما أصابت تلك الصائفة انتجعه رجال، فانتجع خالداً رجال من أهل الآفاق، فكان الأشعث بن قيس ممن انتجع خالداً بقنسرين ، فأجازه بعشرة آلاف.
 وكان عمرt لا يخفى عليه شيء في عمله ، كُتب إليه من العراق بخروج من خرج , ومن الشأم بجائزة من أجيز فيها , فدعا البريد- وكتب معه إلى أبي عبيدة: أن يقيم خالداً , ويعقله بعمامته، وينزع عنه قلنسوته , حتى يعلمهم من أين إجازة الأشعث , أمن ماله أم من إصابة أصابها؟ فإن زعم أنها من إصابة أصابها , فقد أقر بخيانة , وإن زعم أنها من ماله فقد أسرف ، واعزله على كل حال ، وأضمم إليك عمله.
فكتب أبو عبيدة إلى خالد، فقدم عليه ثم جمع الناس وجلس لهم على المنبر فقام البريد , فقال: يا خالد أمن مالك أجزت بعشرة آلاف , أم من إصابة؟ فلم يجبه حتى أكثر عليه , وأبو عبيدة ساكت لا يقول شيئاً، فقام بلال إليه , فقال: إن أمير المؤمنين أمر فيك بكذا وكذا، ثم تناول قلنسوته فعقله بعمامته، وقال:ما تقول أمن مالك , أم من إصابةٍ.قال: لا , بل من مالي , فأطلقه وأعاد قلنسوته،ثم عممه بيده.ثم قال:نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخم ونخدم موالينا.
قالوا: وأقام خالد متحيراً لا يدري أمعزول , أم غير معزول؟وجعل أبو عبيدة لا يخبره , حتى إذا طال على عمر أن يقدم ، ظن الذي قد كان فكتب إليه بالإقبال ، فأتى خالد t أبا عبيدة , فقال: رحمك الله ما أردت إلى ما صنعت! كتمتني أمراً كنت أحب أن أعلمه قبل اليوم ، فقال أبو عبيدة t:إني والله ما كنت لأروعك ما وجدت لذلك بداً، وقد علمت أن ذلك يروعك.
 قال: فرجع خالد إلى قنسرين ، فخطب أهل عمله وودعهم وتحمل ، ثم أقبل إلى حمص فخطبهم وودعهم، ثم خرج نحو المدينة حتى قدم على عمر فشكاه وقال: لقد شكوتك إلى المسلمين، وبالله إنك في أمري غير مجمل يا عمر.
 فقال عمر: من أين هذا الثراء؟, قال: من الأنفال والسُهمان، ما زاد على الستين ألفاً فلك.
فقوم عمر عروضه فخرجت إليه عشرون ألفاً، فأدخلها بيت المال ، ثم قال: يا خالد , والله إنك عليَّ لكريم , وإنك إليَّ لحبيب ، ولن تعاتبني بعد اليوم على شيء.
كتاب عمر إلى الأمصار يبلغهم فيه سبب عزل خالد:
قال أبو جعفر الطبري في «تاريخه» : عن شعيب , عن سيف ، عن عبدالله بن المستورد,عن أبيه, عن عُدي بن سهلٍ , قال: كتب عمرt إلى الأمصار: إني لم أعزل خالداً عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به،فخفت أن يوكلوا إليه,ويبتلوا به ، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع , وإلاَّ يكونوا بعرض فتنة.
وعن شعيب ,عن سيف،عن مبشر,عن سالم,قال:لما قدم خالد على عمرب, قال عمر متمثلاً :
صَنعتَ فلم يصَنعْ كصُنعكَ صانعُ              وما يَصنعَ الأقوامُ فاللهُ يصنعُ
فأغرمه شيئاً، ثم عوضه وكتب فيه إلى الناس بهذا الكتاب ليعذره عندهم وليبصرهم.
وذكر ابن عساكر في «تاريخه» : عن حريز بن عثمان، حدثني المشيخة: أن عمر بن الخطاب t لما عزل خالد بن الوليد سيف الله , قام بالمدينة فاعتذر إلى الناس , فقال: إني لم أعزله عن سخطة، فقال رجل من بني عمه: لقد عزلت أميراً أمره رسول الله ، ولقد غمدت سيفاً سله الله، ولقد نقضت لواءً عقده رسول ، فلا عذرك الله ولا الناس، قال: فقال له عمرt: اقعد فإنك غلام مغضب في ابن عمك.
كذا قال: بالمدينة , وإنما كانت هذه الخطبة بالجابية.
وذكر ابن عساكر في «تاريخه» : عن ناشرة بن سُمَي اليَزني، قال سمعت عمر  t بالجابية واعتذر من عزل خالد , قال: وأمرت أبا عبيدة , فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة : والله ما أعذرت يا عمر، نزعت عاملاً استعمله رسول الله ، ووضعت لواءً رفعهُ رسول الله ، قال: إنك قريب لقرابة، حديث السن , مغضب في ابن عمك.
وعند ابن عساكر في «تاريخه» : عن ناشرة بن سُمَي اليَزني , قال: سمعت عمر بن الخطابt يقول يوم الجابية , فذكر الحديث ، وقال فيه: إني اعتذر إليكم من خالد بن الوليد، إني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطاه ذا البأس والشرف، وذا اللسان فنزعته، وأمرت أبا عبيدة بن الجراح، فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: ما أعذرت يا عمر بن الخطاب لقد نزعت عاملاً استعمله رسول الله ، وأغمدت سيفاً سله رسول الله ، ووضعت لواءً نصبه رسول الله ، ولقد قطعت الرحم وحسدت ابن العم، فقال عمر بن الخطاب t: إنك قريب القرابة ،حديث السن , مغضب في ابن عمك.
خبر الفاروق وسيف الله وهما غلامان :
وذكر ابن عساكر في «تاريخه» : مجالد بن سعيد، عن الشعبي، قال: اصطرع عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وهما غلامان، وكان خالداً ابن خال عمر ، فكسر خالد ساق عمر، فعولجت وجبرت , وكان ذلك سبب العداوة بينهما.
قلت : فأم عمر بن الخطاب حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم, وهي أخت الوليد بن المغيرة أبو خالد بن الوليد.
وليس يصح أن بين الفاروق عمر , وسيف الله خالد عداوة بسبب ما ذكر آنفاً، ولو صح لكان خالد قد عٌزل عزلاً تاماً حين استخلف الفاروق t، ولكن أمير المؤمنين عمر t شديد المتابعة لعماله صغيرها وكبيرها، وما رأى من خالد أيام أبي بكرt من قتله مالك بن نويرة ثم زواجه بامرأته، وغير ذلك.وأيضاً لا يصح أن يقال: أن الصحابة الكرامy بينهما عداوة كلا والله ما يكون ذلك ، وخالداً tقبل وفاته قد أوصى أمير المؤمنين عمر بوصية، سنذكرها في موضعه إن شاء الله تعالى , وقول عمر في سيف الله وثناءه عليه.
خبر قدوم خالد من الشام وفي عمامته أسهم ملطخة بالدم :
وذكر ابن عساكر في «تاريخه»: عن جويرية بن أسماء ، عن نافع ، قال : لما قدم خالد بن الوليدt من الشام , قدم وفي عمامته أسهم ملطخة بالدم قد جعلها في عمامته، فاستقبله عمرt لما دخل المسجد فنزعها من عمامته ، وقال: أتدخل مسجد النبي ومعك أسهم فيها دم، وقد جاهدت وقاتلت، وقد جاهد المسلمون قبلك ، وقاتلوا .
خبر لبس خالد للحرير :
وذكر ابن عساكر في «تاريخه»: عن ابن عون ، عن محمد: أن خالد بن الوليد دخل على عمر , وعلى خالد قميص حرير، فقال له عمر: ما هذا يا خالد؟ قال: وما بأسه يا أمير المؤمنين؟ أليس قد لبسه ابن عوف ، قال : وأنت مثل ابن عوف ، ولك مثل ما لابن عوف.(1)عزمت على ما في البيت إلا أخذ كل واحد منهم طائفة مما يليه.قال: فمزقوه حتى لم يبق منه شيء .
قلت : ظن خالد بن الوليد tأنه لا بأس في لبس الحرير , ذلك أنه رأى عبد الرحمن بن عوف يلبسه، وكان النبي قد رخص له. ولم يُعرف أحد من الصحابة الكرام لبسه غيره.
ذكر مناقب سيف الله خالد بن الوليد :
ذكر البخاري في «صحيحه» : عن أنس بن مالك t: أن النبي ، نعى زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس ، قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال : «أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذها سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم».
ذكر البخاري في «صحيحه» : عن أنس بن مالك t، قال:قال النبي : أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها عبدالله بن رواحة فأصيب - وإن عيني رسول الله لتذرفان - «ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمارة ففتح له».
قلت : ذلك في غزوة مؤتة ، كنت قد ذكرت ذلك في موضعه.
وذكر أحمد في «المسند»: عن زائدة , عن عبد الملك بن عمير، قال: استعمل عمر أبا عبيدة على الشام وعزل خالداً ، فقال أبو عبيدة : سمعت رسول الله يقول:«خالد سيف من سيوف الله ، نعم فتى العشيرة».
وذكر الحاكم في «المستدرك على الصحيحين »:عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي ، عن عبدالله بن أبي أوفى:أن رسول الله قال:«لا تؤذوا خالداً , فإنه سيف من سيوف الله صبهُ الله على الكفَّارِ».
قال الحافظ أبي عبدالله الحاكم:هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وفي «مسند الفردوس» للديلمي : عن ابن عباس ، عن النبي :«خالد بن الوليد سيف الله وسيف رسوله، وحمزة أسد الله ، وأسد رسوله، وأبو عبيدة بن الجراح أمين الله ، وأمين رسوله، وحذيفة بن اليمان من أصفياء الرحمن، وعبد الرحمن بن عوف من تجار الرحمن عز وجل» .
قلت : والحديث صحيح .
وذكر ابن عساكر في «تاريخه»: عن أسامة بن زيد، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح,وعطاء بن يسار،عن أبي هريرة t قال: كنا مع رسول الله فجعل الناس يمرون فيقول رسول الله :«يا أبا هريرة من هذا»فأقول: فلان.فيقول:«نعم عبدالله فلان»، ويمرّ فيقول:«من هذا يا أبا هريرة »، فأقول:فلان،فيقول:«بئس عبدالله»حتى مرّ خالد بن الوليد فقلتُ: هذا خالد ابن الوليد يا رسول الله ، قال:«نعم عبدالله , خالد سيف من سيوف الله».
وفي رواية أخرى عند أحمد في «مسنده» : عن إسحاق بن الحارث بن عبدالله بن كنانة،عن أبي هريرة،قال:خرجنا مع رسول الله حتى إذا كنا تحت ثنية لفت طلع علينا خالد بن الوليد من الثنية ، فقال رسول الله لأبي هريرة : «أنظر من هذا ؟» قال أبو هريرة: خالد بن الوليد، فقال رسول الله : «نعم عبدالله هذا» .
وذكر ابن عساكر في «تاريخه»: عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة : أن رسول الله رأى خالد بن الوليد , فقال:«نعم المرء خالد بن الوليد».
وذكر ابن عساكر في «تاريخه»: عن الزناد، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : أمر رسول الله بصدقة ،فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد ، وعباس بن عبد المطلب،فقال رسول الله :«ما نقم ابن جميل، إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً , قد كان احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، والعباس بن عبد المطلب عم رسول الله فهي له ومثلها معها».
ذكر ما مَنَّ الله به عليه من كرامات :
ذكر ابن عساكر في «تاريخه» : عن يونس بن أبي إسحاق ، حدثنا أبو السفر ، قال: نزل خالد بن الوليد الحيرة ، فنزل عن بني أم المرازبة، فقال لهم : ائتوني بالسّمّ، فلما أتوه به وضعه في راحلته , ثم قال: بسم الله ، فافتتحه فلم يضره بإذن الله شيئاً.
وفي رواية : عن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي السفر، قال: نزل خالد بن الوليد الحيرة على أم بني المرازبة، فقالوا : احذر السّمّ لا يسقيك الأعاجم ، فقال:ائتوني به ، وفي حديث ابن المقرئ : ائتوني منه بشيء - فأخذه بيده ثم اقتحمه- وقال ابن المقرئ : اقتحم وقال: بسم الله ، فلم يضره .
ويروى عن سفيان بن عيينة , عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت خالد بن الوليد أُتي بسُمّ، فقال: ما هذا ؟قالوا: سُمّ ، فقال: بسم الله وشر به , وأشار سفيان بيده إلى فيه، قال عبد الله بن الزبير: وذلك بالحيرة .
وذكر ابن حجر في «الإصابة» ، والذهبي في «سير أعلام النبلاء»: عن أبي بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن خيثمة ، قال : أتُي خالد بن الوليد برجل معه زق خمر، فقال: اللهم أجعله عسلاً فصار عسلاً .
وذكر ابن عساكر في «تاريخه» : عن العوام بن حوشب، حدثني قومي عن رجل منهم يقال له: صعصة قال: فشت الخمر في عسكر خالد بن الوليد ، فجعل يطوف عليهم ، وكان رجل منا بعث به أصحابه فاشترى زقاً من خمر ، وجعله بين يديه ، فاستقبله كفة بكفة فقال: ما هذا ؟ قال: خل ، قال: جعله الله خلاً فانطلق إلى أصحابه ففتحه ، فإذا خلّ كأجود ما يكون من الخل .
وذكر الذهبي في «سير أعلام النبلاء» : عن الأعمش ، عن خيثمة، قال: مرّ على خالد بن الوليد بزق خمر , فقال: أي شيء هذا ؟فقالوا: خلّ ، فقال: جعله الله خلاً.قال: فنظروا فإذا هو خلّ، وقد كان خمراً.
وذكر ابن عساكر في «تاريخه»: عن أبي عثمان عن أبيه: أن خالد أُتي في قُنسرين برجلٍ معه زق خمر، فقال: اللهم أجعله خلاً وأفلت منه ، فإذا هو خلّ مسطار، وأقبل الرجل يعدو .
وعنده أيضاً: عن عطاء بن السائب ، عن محارب بن دثار, قال: أخبر خالد بن الوليد أنّ في عسكره من يشرب الخمر، فركب فرسه ، فإذا هو رجل على منسج فرسه زق فيه خمر، فقال له خالد: ما هذا ؟ قال: خلّ ، قال: اللهم أجعله خلاً ، فلما رجع إلى أصحابه , قال: قد جئتكم بخمر لم يشرب مثلها ففتحوها فإذا خلّ، قال: هذه والله دعوة خالد بن الوليد .

أخبار خالد بن الوليد رضي الله عنه:

خبر طلاق زوجته :
ذكر ابن كثير في «البداية والنهاية»، والذهبي في «سير أعلام النبلاء»  عن إسماعيل ، عن قيس قال : طلق خالد بن الوليد امرأته , فقالوا: لم طلقتها ، قال: لم تصبها مذ كانت عندي مصيبة ولا بلاء ، ولا مرض فرابني ذلك منها.
وفي رواية عند ابن العديم في «بغية الطلب»، وابن عساكر في «تاريخه» : عن قيس بن أبي حازم ، قال : طلق خالد بن الوليد امرأته ، فقال: أما إني لم أطلقها بشيء رابني منها، ولكن لم يصبها بلاء مذ كانت عندي .
خبر علقمة وعمر وخالد :
ذكر أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني» : عن الزبير بن بكار ، قال : حدثني عمرو بن أبي بكر ، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، والضحاك بن عثمان, قالا : لما قدم علقمة بن علاثة المدينة ، وكان قد أرتد عن الإسلام ، وكان لخالد بن الوليد صديقاً ، لقيه عمر بن الخطاب t في المسجد في جوف الليل، وكان عمر يشبه بخالد ، وذلك أن أمه حنتمة بنت هشام بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، فسلم عليه ، وظن أنه خالد ، فقال: أعزلك؟قال: كان ذلك.قال: والله ما هو إلا نفاسةُ عليك ، وحسد لك. فقال له عمرt: فما عندك معونة على ذلك؟ قال: معاذ الله ، إن لعمر علينا سمعاً وطاعة ، وما نخرج إلى خلافه .فلما أصبح عمر t ، أذن للناس.فدخل خالد وعلقمة ، فجلس علقمة إلى جنب خالد ، فالتفت عمر إلى علقمة فقال: إية يا علقمة ، أأنت القائل لخالد ما قلت؟فالتفت علقمة إلى خالد، فقال: يا أبا سليمان ، أفعلتها , قال: ويحك والله ما لقيتك قبل ما ترى ، وإني لأراك لقيت الرجل.قال: أراه والله.ثم التفت إلى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين ، ما سمعت إلا خيراً.قال: أجل ، فهل لك أن أوليك حوران؟قال: نعم , فولاه إياه ، فمات بها.                                                                                                   
ذكر ما يتمناه خالد بن الوليد:
ذكر ابن عساكر في «تاريخه»: عن إسماعيل بن أبي خالد  ، عن مولى لآل خالد بن الوليد، قال:قال خالد بن الوليد: ما من ليلة إلا ليلة تهدى إليَّ فيها عروس أنا لها محب ، وأبشر منها بغلام أحبّ إليَّ من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد في سرية أصبح فيها للعدو . اسم هذا المولى : زياد.
قلت : نقله أيضاً الذهبي في «سير أعلام النبلاء» , ولم يسمي المولى ، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ونسبه إلى أبي يعلى، وقال: ورجاله الصحيح.
من كلام خالد بن الوليد t:
ذكر الذهبي في «سير أعلام النبلاء» : عن العيزار بن حُرَيت ، قال: قال خالد بن الوليدt: ما أدري من أين يومي أفرّ: يوم أراد الله عز وجل أن يُهديَ لي فيه شهادةً , أو من يوم أراد الله أن يُهديَ لي فيه كرامةً.

ذكر ما شغله عن تعليم القرآن الكريم :
ذكر ابن عساكر في «تاريخه»: عن محمد بن سعد، أنا الفضل بن دكين، أنا الوليد بن عبدالله بن جُميع، حدثني رجل أثق به أن خالد بن الوليدtأمّ الناس بالحيرة ، فقرأ من سورٍ شتى، ثم التفت إلى الناس حيث انصرف , فقال: شغلني عن تعليم القرآن الجهاد.
وعنده أيضاً : عن إسماعيل - بن أبي خالد - ، عن قيس - بن أبي حازم - ، قال: سمعتُ خالد بن الوليدt يقول: لقد منعني كثيراً من القراءة , الجهاد في سبيل الله.


وفاة سيف الله خالد بن الوليدt:
قلت : أختلف في البلد الذي توفي فيه خالد بن الوليدt قيل: أنه توفي بالمدينة ، وقيل: بل بحمص ، فنذكر الروايات التي ذكرت أن وفاته كان بالمدينة  من ذلك ما ذكره ابن عساكر في «تاريخه»: عن سيف بن عمر ، عن مبُشر، عن سالم ، قال : فأقام خالد بالمدينة حتى ظن أن عمر أنه قد سبكه(1) ، وبصَّر الناس، حج وقد عزم توليته، واشتكى خالد بعدُ وهو خارج من المدينة زائراً لأمه ، فقال لها: أحدروني إلى مُهاجري , فقدمت به المدينة ومرّضته، فلما ثقل وأظل عمر لقيه لأقٍ على مسيرة ثلاث صادراً عن حجه , فقال له عمر: مهيم؟, فقال: خالد بن الوليد ثقيل لما به ، فطوى ثلاثاً في ليلة فأدركه حين قضى , فرق عليه واسترجع ، وجلس ببابه حتى جُهز , وبكته البواكي ، فقيل لعمر: ألا تسمع ، ألا تنهاهنَّ.فقال: وما على نساء قريش أن يبكين أبا سليمان ما لم يكن نقع ولا لقلقة ، فلما أخُرج بجنازته رأى عمر امرأة مخترمة تبكيه وتقول:
أنت خيرُ من ألف ألفٍ من الناس        إذا ما كُبتْ وجـوه الرجــال
                             
أشجاع فأنت أشجع مـن ليـث           عـرين حمـيم أبي شبــالِ
أجواد فأنت أجود مـن سيـل               دياس يسيل بيـن الجبــالِ
فقال عمر: من هذه ؟ فقيل: أمه.فقال : أمه والإلة - ثلاثة -هل قامت النساء عن مثل خالد.
فكان عمر يتمثل في طيّة تلك الثلاث في ليلة ، وبعد ما قدم .
نبكي ما وصلت به الندامى                       ولا تبكي فوارس كالجبالِ
       أولئك إن بكيت أشد فقـداً                      من الإذهاب والعَكر الجلالِ
تمنى بعدهم قـوم مداهــم                       فلم يدنوا لأسبـاب الكمـالِ

وذكر الذهبي في «سير أعلام النبلاء» : عن أبي حذيفة إسحاق بن بشر ، قال : وقال محمد: مات خالد- يعني ابن الوليد - بالمدينة فخرج عمر في جنازته وإذا أمه تندبه و هي تقول :
أنتَ خيرُ من ألفِ ألفٍ من القوم      إذَا مَا كُبتْ وجـوهُ الرجــالِ

فقال عمر: والله صدقت إن كان لذلك .
و ذكر ابن عساكر في «تاريخه»: عن عمر بن عثمان التيمي: حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله ، عن عمه موسى بن طلحة ، قال: خرجت مع أبي طلحة بن عبيد الله إلى مكة مع عمر بن الخطاب , فلما كنا بعرق الظبية نزل عمر من هذا الجانب , ونزل أبي من هذا الجانب ، قال: فبينا نحن نحط عن رواحلنا أقبل راكب من المدينة حتى أهوى إلى ناحية عمر، فما قلنا أناخ حتى إذا بعمر قد أقبل يصيح: يا أبا محمد ، يا طلحة ، فقال أبي: مالك يا أمير المؤمنين؟قال: هلك أبو سليمان ، هلك خالد بن الوليد، رحمه الله.
فقال له أبي طلحة :
لأعرفنكَ بعد الموتِ تَنْدبُني            وفي حياتي مَا زودتني زادا

وصية خالد بن الوليد لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما:
ذكر ابن عساكر في «تاريخه»: عن عمرو بن عبدالله بن عنبسة ، قال : سمعتُ محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان , يقول: لم يزل خالد بن الوليد مع أبي عبيدة ، حتى توفي أبو عبيدة، واستخلف عياض بن غنم الفهري ، فلم يزل خالد معه حتى مات عياض بن غنم ، فاعتزل خالد إلى ثغر حمص , فكان فيه وحبس خيلاً وسلاحاً فلم يزل مقيماً مرابطاً بحمص حتى نزل به ، فدخل عليه أبو الدرداء عائداً له، فقال خالد بن الوليد: إن خيلي هذه التي حُبست في الثغر وسلاحي هو على ما جعلته عليه عُدة في سبيل الله ، وقوة يُغزى عليها، ويُعلف من مالي وداري بالمدينة صدقة حُبسُ لا بياع ولا يورث ، وقد كنت أشهدت عليه عمر بن الخطاب ليالي قدم الجابية , وهو كان أمرني بها ، ونعم العون هو على الإسلام ، والله يا أبا الدرداء ألئن مات عمر لترين أموراً تنكرها.
قال: قال أبو الدرداء : وأنا والله أرى ذاك ، قال خالد: قد كنت وجدت عليه في نفسي أمور لما تدبرتها في مرضي هذا ، وحضرني من الله حاضر , عرفتُ أن عمر كان يريد الله بكل ما فعل ، كنتُ وجدتُ عليه في نفسي حيث بعث إليَّ من يقاسمني مالي , حتى أخذ فرد نعل ، وأخذتُ فرد نعل ، فرأيته فعل ذلك بغيري من أهل السالفة ، ومن شهد بدراً ، وكان يغلظ عليَّ ، وكانت غلظته عليَّ وكنت أدل عليه بقرابةٍ ، فرأيته لا يبالي قريباً ، ولا لوم لائم في غير الله، فذلك الذي أذهب ما كنت أجد عليه ، وكان يكثر عليَّ عنده ، وما كان ذلك مني إلاَّ على النظر كنت في حرب ومكابدة ، وكنت شاهداً ، وكان غائباً ، فكنت أعطي على ذلك ، مخالفه ذلك من أمري ، وقد جعلت وصيتي وتركتي , وإنفاذ عهدي إلى عمر بن الخطاب.
قال: فقدم بالوصية على عمر فقبلها وترحم عليه، وأنفذ ما فيها ، وتزوج عمر بعدُ امرأته .
وذكر ابن عساكر في «تاريخه»: عن الزبير بن بكار، قال: قال عمي مصعب بن عبدالله: خالد الذي صالح أهل الحيرة ، وفتح بعض السواد ، فأمره أبو بكر فصار إلى الشام فلم يزل بها حتى عزله عمر بن الخطاب ، وهلك خالد بالشام ، وأوصى عمر بن الخطاب ، فتولى عمر وصيته وسمع راجزاً يقول :
         إذا رأيت خـالـد تخفـفا                   وهبت الريح شمالاً حرجفا
وكان بين الأعجمين منصفا         فرد بعض القوم لو تخلفا (1)
                  
فقال عمرt: رحم الله خالداً ، فقال طلحة بن عُبيد الله :
لأعرفنك بعد الموتِ تندبني            وفي حياتي ما زودتني زادي
فقال عمرt: إني ما عتبتُ على خالد إلاَّ في تقدمه، وما كان يصنع في المال، وكان إذا صار  إليه المال قسمه في أهل القتال ، ولم يرفع إلى أبي بكر حساباً، وكان فيه تقدم على رأي أبي بكر بفعل الأشياء لا يراها أبو بكر ، تقدم على قتل مالك بن نُويرة، ونكح امرأته , وصالح أهل اليمامة ، ونكح ابنة مُجاعة بن مرَارة فكره ذلك أبو بكر ، وعرض الدية على متمم بن نُويرة , وأمر خالداً بطلاق امرأة مالك , ولم يرَ أن يعزله ، وكان عمر بن الخطاب ينكر هذا على خالد وشبهه .
وذكر ابن عساكر في «تاريخه» وابن كثير في «البداية والنهاية» عن أبي رباح  ابن خالد بن رباح ، قال : سمعت ثعلبة بن أبي مالك يقول: رأيتُ ابن الخطاب بقباء يوم السبت ومعه نفر من المهاجرين والأنصار ، فإذا أناس من أهل الشام يصلون في مسجد قباء حجاجاً ، فقال: من القوم؟ , قالوا: من اليمن ، قال: أي مدائن الشام نزلتم ؟قالوا: حمص , قال: كان من مغَّربةٍ خبر؟ قالوا: موت خالد بن الوليد يوم رحلنا من حمص، قال : فاسترجع عمر مراراً ونكس، وأكثر الترحمّ عليه ، وقال: كان والله سداداً لنحور العدو ، ميمون النقيبة.فقال له علي بن أبي طالب: فلم عزلته؟, قال: عزلته لبذله المال لأهل الشرف وذو اللسان.قال علي: فكنت تعزله عن التبذير في المال وتتركه على جنده.قال: لم يكن يرضى.قال: فهلا بلوته ؟ .
وذكر ابن العديم في «بغية الطالب» : عن محمد بن سعد ، أنا محمد بن عمر ، حدثني يزيد بن عبد الملك عن الحارث بن الحكم الضمري ، عن شيخ من بني غفار ، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب بعد أن مات خالد بن الوليد , وعمر فيما بين قديد وعسفان يقول: وذكر خالداً وموته فقال: قد ثلم في الإسلام ثلمة لا تُرتَق ، فقلت: يا أمير المؤمنين ، لم يك رأيك فيه في حياته على هذا ؟قال: ندمتُ على كان مني إليه .
وذكر ابن عساكر في «تاريخه» : عن نافع ، قال: لما مات خالد بن الوليد لم يوجد له إلاَّ فرسه وغلامه وسلاحه، فقال عمر: رحم الله أبا سليمان إنا كنا لنظنه على غير هذا .
وذكر ابن عساكر في «تاريخه»: عن ابن سعد ، عن كثير بن هشام ، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم قال: لما توفي خالد بن الوليد بكت عليه أم خالد , فقال لها عمر: يا أم خالد أخالداً وأجره ترزين جميعاً ، عزمتُ عليك أن لا تبيتي حتى تسود يداك من الخضاب .
وعنده أيضاً : عن الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، قال : لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة في دار خالد يبكين عليه، قال: فقيل لعمر : إنهنَّ قد اجتمعنَّ في دار خالد وهُـنَّ خُلقاء أن يسمعنك بعض ما تكره، فأرسل إليهنَّ فانهاهنَّ ، فقال عمر : وما عليهنَّ أن يرقنَ من دموعهنَّ على أبي سليمان ما لم يكن نقعاً أو لقلقة.
قال وكيع بن الجراح : النقع : الشق ، واللقلقة : الصوت.
وذكر ابن عساكر في «تاريخه» : أنا محمد بن سعد ، أنا محمد بن عمر ، أنا أبو بكر بن عبدالله ، أنا ابن أبي سبرة، عن عبدالله بن عكرمة ، قال: عجباً لقول الناس أن عمر بن الخطاب نهى عن النوح ، لقد بكى على خالد بالمدنية، ومعه نساءُ بني المغيرة سبعاً يشققن الجيوب ويضربن الوجوه ، واطعموا الطعام تلك الأيام حتى مضت ، ما ينهاهنَّ عمر .
وذكر ابن عساكر في «تاريخه» : أخبرنا أبو القاسم الشحامي , أنا أبو بكر البيهقي ، أنا أبو محمد عبدالله بن يوسف الأصبهاني ، أنا أبو سعيد بن الأعرابي، أنا سعدان بن نصر، أنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق قال : لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة يبكين عليه، فقيل لعمر : أرسل إليهنَّ فانههنَّ لا يبلغك عنهنَّ شيء تكره، فقال عمر: ما عليهنَّ أن يهرقنَّ دموعهنَّ على أبي سليمان , ما لم يكن نقعاً أو لقلقة .
وفي « أسد الغابة» لابن الأثير ، و«الاستيعاب» لابن عبد البر : عن الزبير بن بكار ، قال: قال محمد بن سلام: حدثني أبان بن عثمان ، قال: لم يبق امرأة من بني المغيرة إلا وضعت لمِتّها على قبر خالد.
وذكر المعافى بن زكريا القاضي في «الجليس الصالح الكافي» : عن أبو علي الحرمازي ، قال : دخل هشام بن البختري في ناس من بني مخزوم على عمر بن الخطاب ، فقال له : يا هشام أنشدني شعرك في خالد بن الوليد , فأنشده فقال: قصّرت في البكاء على أبي سليمان رحمه الله ، إن كان ليجب أن يُذل الشرك وأهله، وإن كان الشامت به لمتعرضاً لمقت الله .
ثم قال عمر : قاتل الله أخا بني تميم ما أشعره :
                    فقل للذي يبقى خلاف الذي مضى
                                                               تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد
                   فما عيش من قد عاش بعدي بنافع
                                              ولا موت من قد مات بعدي بمخلدِ
ويروى : « ولا موت من قد مات قبلي »
ثم قال: رحم الله أبا سليمان , ما عند الله خير له مما كان فيه، ولقد مات فقيداً وعاش حميداً ، ولقد رأيتُ الدهر ليس بقاتل.
قال أبو الفرج المعافى بن زكريا معقباً: قال القاضي: لقد أحسن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه الثناء على خالد بن الوليد رحمه الله على تشعث قد كان بينهما، فلم يثنه ذلك على معرفة حقه وصحبته وصلة رحمه، وكان ابن خالته ، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم ، ربما عرض فيما بينهم بعض العتب , وبعض ما يوحش الأخوان , فلا يخرجهم ذلك عن الولاية إلى العداوة .
ذكر سنة وفاة خالد بن الوليد رضي الله عنه:
قال محمد بن سعد : مات بحمص سنة إحدى وعشرين ، وأوصى إلى عمر بن الخطاب ، ودُفن في قريةٍ على ميل من حمص .
قال الواقدي : فسألت عن تلك القرية فقيل قد دثرت .
قال الحافظ الذهبي : الصحيح موته بحمص وله مشهد يُزار .
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام ، وإبراهيم بن المنذر ، وجماعة : إنه توفي سنة إحدى وعشرين بحمص .
وقال عبد الرحمن بن إبراهيم دُحيم وغير واحد: مات بالمدنية ، زاد بعضهم سنة اثنين وعشرين .
وقال خليقة خياط: في أحداث سنة إحدى وعشرين  مات خالد بن الوليد بالشام.
قول سيف الله خالد لما حضرته الوفاة:
ذكر الحافظ المزي في «تهذيب الكمال» : قال محمد بن سعد ، عن الواقدي ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه: أن خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة بكى  وقال : لقيت كذا وكذا زحفاً ، وما في جَسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح ، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العير(1) , فلا نامت أعين الجُبناء .
وذكر ابن عساكر في «تاريخه» : عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زياد، قال : قال خالد بن الوليد عند موته: ما كان في الأرض ليلة أحبَّ إليَّ من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصُبح بهم العدو , فعليكم بالجهاد .




ثناء الناس عليه رضي الله عنه :
قال الإمام الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في خالد بن الوليد : سيف الله تعالى ، وفارس الإسلام ، وليث المشاهد، السيدُ الإمام الأمير الكبير ، قائد المجاهدين.
وذكر في الذهبي رحمه تعالى في «تاريخ الإسلام» : وكان بطلاً شجاعاً ميمون النقيبة، باشر حروباً كثيرة، ومات على فراشه وهو ابن ستين سنة، ولم يكن في جسده نحو شبرٍ إلا وعليه طابع الشهداء .
وقال جُويرية بن أسماء : كان خالد من أمَدَّ الناس بصراً .
وذكر ابن عساكر في« تاريخه»: قال الزبير بن بكار رحمه الله تعالى : خالد بن الوليد الذي يقال له : سيف الله، وكان مباركاً ميمون النقيبة.
وقال رحمه الله تعالى : من انتهى إليه الشرف من قريش , ووصله الإسلام عشرة نفر من عشر بطون: من هاشم ، وأميه ، ونوفل ، وأسد وعبد الدار ، وتيم ، ومخزوم ، وعدي ، وسهم ، وجُمح .
قال : فكانت القُبة والأعنة إلى خالد بن الوليد، فأما الأعنة ، فإنه كان يكون على خيول قريش في الجاهلية في الحروب ، وأما القُبة فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش .

وقال عَبْد عمرو بن المطرح مديحاً في خالد رضي الله عنه :

بني عمر أنتم عصبة
وقد زان مجدكم خالد
وسارية القوم قد فكه
يعضب حسام رفيق به
رأيتُ المحارف لابن الوليد
فيا ابن الوليد وأنت امرؤٌ
ومن منع الحق من ماله
وكفاك كف تضير العدى
فما لليمامة من ملجأ

لعالي المكارم مبتاعه
باطلاقه على مجاعه
وكان رهينة جعجاعه
بكفّ فتى غير هجاعه
أذلّ من الفقع بالقاعه
وتقاتل من شك في الساعه
ونفسك للذل منّاعه
وكف لمن شئت نفاعه
سوى السمع لله والطاعة

قال : فحدثني محمد بن مسلمة ، عن مالك بن أنس قال : مرَّ أهل العراق يتراجزون :
إذا رأيـت خــالداً تخفـفـا                وكـان بيـن الأعجمين منصفا                          وهبت الريح شمـالاً جرحفـا              فـود بعض القوم لو تخـلفـا






5
قال أبي الحسن تركي الدهماني غفر الله له ولوالديه والمسلمين: هذا ما تيسر لي بفضل الله تعالى عليَّ تصنيف هذا الكتاب المبارك ، «سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه» ، سائلاً الله تعالى بمنه وكرمه القبول وأن ينقع به.وكان الفراغ منه يوم الجمعة المباركة التاسع  ربيع أول من شهور سنة ثلاثين وأربعمائة وألف.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد
وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً






(1) الموسم : أي الحج
(2) العذق : النخلة
(3) أي ما يجنى من الثمر .
(1) السيرة النبوية لابن هشام (2/108) .
(1) عسفان : منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة ، وهي من مكة على مرحلتين ( ياقوت ).
(1)بفخٍ : هو وادٍ بمكة . [قاله يا قوت] . 
(2) يأجج : موضع على ثمانية أميال من مكة. [قاله ياقوت ].
(1) خاشى : أي أبقى عليهم وحذر فأبتعد بهم .
(2) تهذيب سيرة ابن كثير ص 433 ، والجامع في أخبار الصحابة للدهماني (1/311).
(1)  الجامع في أخبار الصحابة للدهماني ( 1/212 ) .
[1])) أخرجه مسلم في صحيحه (4515) .
(1) دلائل النبوة للبيهقي ( 5/250 -215 ).
(1) الغُمَيصْاء : موضع في بادية العرب قرب مكة. ( ياقوت ) .
(1) جزلها : أي قطعها .
(2) الحترة : أي العطية .
 (1) قلت: بفضل الله تعالى قد أتممتُ كتاباً في سيرة أبو بكر الصديق في مجلدٍ كبير , وأسميته [ السابق إلى التصديق أبي بكر الصديق] .
[2])) بُزاخة : ماء لبني أسد . ( معجم البلدان لياقوت ) .
[3])) البطاح : ماء من ديار بني أسد بن خزيمة . ( معجم البلدان لياقوت ) .
(1) الغزوات لابن حٌبيش (1/41).
(1) تاريخ الطبري ( 2 / 261 )
(1) الغزوات لابن حبيش (1/49) .
(1) تاريخ الطبري ( 2 /262 )
(1)  الاثقية : الحجر يشد فوقه القدر
(1) لا أشيم : لا أغمد
(1) ختونتهم : أي مصاهرتهم , لزواجه من ابنة مجاعة فلم يقتلهم .
[4]) ) عند الطبري ( حاجز ) .
(1)  الحديث صحيح : أخرجه البخاري ومسلم  والترمذي .
(2) الحديث  رواه أحمد ( 1 / 8 ) و الحاكم في المستدرك ( 3 / 298 )  .
 (1) قلت : الخبر في ترخيص النبي للصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف t بلبس الحرير , راوه البخاري , باب لبس الحرير في الحرير , وفي اللباس : باب ما يرخص للرجال من الحرير للحكة , وهو في مسلم: في اللباس باب إباحة لبس الحرير للرجل , وأبو داود : في اللباس باب في لبس الحرير لعذر , كلهم عن أنس بن مالك t, عن النبي .
(1) سبكه : أي أذابه وأفرغه .
 (1) نسب قريش لمصعب الزبيري ص321 .
 (1) العير : الحمار الوحشي .

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire